شؤون إسبانيةآخر الأخبار

«هل رأيتم ابني؟».. عائلات تبحث عن أبنائها في البحر وسؤال ثقيل يلاحق المسؤولين عن وفاة قرابة 100 شخص في مأساة سبتة

تحولت المنطقة المحيطة بالمعبر الحدودي بين المغرب ومدينة سبتة إلى ساحة انتظار مؤلمة. أمهات يبكين، وآباء يحملون صور أبنائهم على هواتفهم، وأشقاء يلاحقون كل عائد من مدينة سبتة بسؤال واحد: «هل رأيت هذا الشاب؟ هل تعرف أين يوجد؟»

وصلت العائلات من طنجة وفاس والدار البيضاء ومدن مغربية أخرى، بعدما انقطعت أخبار أبنائها الذين توجهوا إلى مدينة الفنيدق وألقوا بأنفسهم في البحر، معتقدين أن الطريق نحو سبتة أصبح مفتوحاً.

لكن الرحلة التي بدأت بوعد مجهول انتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي انتهت بمأساة إنسانية ثقيلة، بعدما بلغ عدد الضحايا المعلن عنه 72 شخصاً على الأقل، بينما لا يزال عدد المفقودين غير معروف. وتواصل فرق الإنقاذ البحث في المياه، في وقت تنتظر فيه العائلات أي معلومة تؤكد أن أبناءها ما زالوا على قيد الحياة، بحسب ما نقلته صحيفة 20 Minutos.

سبتة
سبتة

خرج من البيت وفي جيبه 400 درهم ولم يعد

من بين المنتظرين إبراهيم، وهو أب يبحث عن ابنه البالغ من العمر 17 عاماً. غادر القاصر مدينة فاس يوم الخميس بالملابس التي كان يرتديها، وفي جيبه 400 درهم فقط، كان قد ادخرها لشراء ملابس جديدة.

منذ ذلك اليوم، لم تتلق الأسرة أي اتصال منه.

بحث والده في المستشفى وسأل عن المعتقلين والضحايا، لكنه لم يعثر على اسمه في أي قائمة. أما والدته، فكانت تمسك بذراع زوجها وتبكي وهي تنتظر أمام الحدود خبراً قد ينهي ساعات الخوف والغموض.

وفي المكان نفسه، تبحث زهرة، وهو اسم مستعار، عن شقيقها عبد النبي، البالغ من العمر 23 عاماً. كان الشاب يدرس في الجامعة ولديه عمل، ولذلك لا تستطيع أسرته فهم الأسباب التي دفعته إلى المخاطرة بحياته ودخول البحر.

كيف وصل الآلاف إلى البحر دون أن توقفهم السلطات المغربية؟

المأساة لا تطرح أسئلة حول دوافع الشباب فقط، بل تضع السلطات المغربية أمام مسؤولية سياسية وأمنية وأخلاقية يصعب تجاهلها.

كيف تمكنت أعداد ضخمة من المواطنين من الوصول إلى الفنيدق والتجمع بالقرب من الحدود؟ وكيف سُمح لقاصرين وشباب قادمين من مدن تبعد مئات الكيلومترات بالاقتراب من البحر والقفز إلى المياه في مشهد جماعي بالغ الخطورة؟

وكيف تحركت هذه الحشود أمام أنظار أجهزة أمنية تمتلك انتشاراً واسعاً في منطقة حدودية حساسة، دون اتخاذ إجراءات مبكرة تمنع وصولهم إلى الساحل وتحمي حياتهم؟

لا تتضمن الشهادات المنشورة دليلاً حاسماً يثبت أن السلطات المغربية أصدرت أمراً متعمداً بترك المواطنين يعبرون، لكن حجم التحرك، وعدد المشاركين، واستمرار محاولات الدخول، يفرضان تحقيقاً شفافاً بشأن ما إذا كانت هناك حالة تقصير أمني، أو انسحاب متعمد من بعض المواقع، أو فشل في التعامل مع الإشاعات التي دفعت الآلاف نحو البحر.

فالدولة التي تراقب حدودها بدقة في الأيام العادية مطالبة بتفسير كيف تحولت شواطئ الفنيدق، خلال ساعات، إلى نقطة انطلاق جماعية نحو الموت.

سبتة
سبتة

«كان هناك كثير من الموتى»

يروي عدد من العائدين مشاهد مرعبة عاشوها داخل المياه. مئات الأشخاص كانوا يسبحون في الوقت نفسه، بعضهم يتشبث بالصخور، وبعضهم يدفع الآخرين في محاولة للبقاء فوق سطح البحر.

جليل، وهو مواطن سوداني يعمل في قطاع البناء بمدينة الدار البيضاء، قال إنه تلقى اتصالاً يخبره بأن الطريق إلى سبتة أصبح مفتوحاً. توجه إلى الفنيدق وألقى بنفسه في البحر برفقة سبعة من أصدقائه.

تمكن رفاقه من الوصول، لكنه قرر العودة بعدما أصيب في ساقه. وعندما تحدث عن الرحلة، اختصر المشهد بعبارة صادمة: «كان هناك كثير من الموتى».

أما أيوب، فعاد مصاباً في ذراعه وساقه. يقول إنه صدّق الرسائل المتداولة عن فتح الحدود، ثم اكتشف أنه وقع في فخ. وعلى الرغم من الإصابات والصدمة، يؤكد أنه قد يحاول الوصول إلى إسبانيا مرة أخرى.

الجيش الإسباني
الجيش الإسباني

عائلات تُركت وحدها أمام البحر

الأكثر قسوة أن عشرات العائلات لم تجد مركزاً واضحاً يقدم لها معلومات دقيقة عن المفقودين. بعضها يتنقل بين المستشفيات، وبعضها ينتظر العائدين عند الحدود ويعرض عليهم الصور، أملاً في أن يتعرف أحدهم على ابن أو شقيق مفقود.

وبينما تحاول مدينة الفنيدق استعادة حياتها العادية، تظل قوارب ودوريات الإنقاذ ظاهرة من الشاطئ وهي تبحث عن جثث أو ناجين. أما بالنسبة إلى العائلات التي لم يعد أبناؤها، فلا شيء عاد طبيعياً.

هذه المأساة لم تبدأ في المياه الإسبانية فقط، بل بدأت لحظة تُرك فيها آلاف الأشخاص يصلون إلى الساحل المغربي ويعتقدون أن بإمكانهم عبور البحر دون عواقب.

ولهذا، لا يكفي الحديث عن إشاعات شبكات التواصل أو تحميل الشباب وحدهم مسؤولية ما وقع. المطلوب هو معرفة من نشر الدعوات، ولماذا لم تُحاصر في الوقت المناسب، وكيف استطاعت هذه الأعداد الوصول إلى منطقة حدودية شديدة المراقبة.

وبينما يستمر البحث عن المفقودين، يبقى السؤال الذي لا يمكن دفنه مع الضحايا: من سمح بتحول الساحل المغربي إلى بوابة جماعية نحو الموت؟

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى