العرب لم يستعمروا إسبانيا بل عمَروها – الجزء الثالث: رؤية نقدية عامة.

أخبار إسبانيا بالعربي / إنتشر الإسلام, حسب الاعتقاد الجماعي, عن طريق الغزوات المسلحة. ما من شك أن الفهم الجيد للمذاهب النصرانية كان يُلقي الضوء على المناخ المساعد الذي سهَّل مهمة الفاتحين في جميع المناطق, و كان ينفض الغبار عن الوضعية السياسية للمناطق التي غمرتها الموجة المحمدية, و كان يتضحُ جليا أنه في بعض الحالات استَقبلت الشعوب المَغزُوة الغُزاةَ استقبال الأبطال المُحررين, حيث كانوا مُستعبَدين من طرف أجانب, و هو أمر لم يكن صحيحا في جميع الحالات. و قد كان لهوس مؤرخي القرن التاسع عشر بالأحكام المُسبقة, السائدة آنذاك, دور في بلورة هذا التصور, حيث كان يُعتقد أن الروح القومية التي كانت تُحركُ الجماهير آنذاك هو أمر ثابت في كل حقبة زمنية. نعم, كان هذا الشعور في حقيقة الأمر متجذرا لدى بعض الشعوب و لدى الأمم القديمة, و لكن ليس من الصحيح سحب نفس المعيار على كل الشعوب, خصوصا تلك التي كانت تنتمي لحضارات غير أوربية و التي كان تفسيرها للحياة مبنيا على ركائز أخرى. مع ذلك, رغم هذه المفاهيم التي كانت تساعد على الفهم السليم لانتشار الإسلام, إلا أن الحُكم على طريقة انتشاره لم يتغير و ظل يردد أن هذه الأفكار الدينية انتشرت من خلال العمل العسكري الهجومي عبر غزوات متتالية الواحدة تلو الأخرى و كأنها نِتاج تفاعل تسلسلي.

طالع أيضا العرب لم يستعمروا إسبانيا بل عمَروها: الجزء الأول (مقدمة)

لم يعد بالمقدور اليوم قبول هذا الحُكم المُهلهل و الضعيف الحُجة و الذي لا يصمد أمام أبسط انتقاد: فالهجمة العسكرية لا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية, و كلما طالت مدتها و اتسعت رقعتها فقدت أكثر فأكثر زخمها الأول. كيف استطاع العرب من خلال مسيرة بلا توقف و دون إخفاق يُذكر الوصول في وقت مُتزامن للهند و لضفاف نهر كلانClain  ببلدة بواتيي الفرنسية؟ لن نتوقف عند هذه النقطة الآن. فقبل أن نتفحص هذا التأويل للأحداث, من المهم تحديد بعض المفاهيم حول حركة تنقل البشر في المعمور.

طالع أيضا : العرب لم يستعمروا إسبانيا بل عمَروها : الجزء الثاني ( الغزو العربي المزعوم )

حركات الهجرة في التاريخ: تنقل البدو الرحل و الغزوات (قانون بريستد).

بإمكان الأفراد و العائلات و القبائل المسير من منطقة لأخرى بشكل عَرَضيٍ, على غرار البدو الرحل في السهوب, دون أن يتم تفسير تحركاتهم على أنها غزو. فالغزو يحمل دوما طابعا عسكريا و هو نِتاجُ تنظيمٍ و دولةٍ و عقلٍ مُدبِرٍ. لهذا من الخطأ الحديث عن غزوات ألبية, لأن هذه الشعوب الهندو-أوربية اتبعت نهر الدانوب و وصلت للسهول الغربية في جماعات صغيرة و على مدى آلاف السنين. نفس الأمر جرى مع تنقلات البدو في الصحراء, حيث تنقلت القبائل الهلالية من الشرق إلى الغرب حسب تغيرات المناخ. و بما أن جفاف السهول العليا الآسيوية سبَّبَ تنقل الألبيين, فإننا نجد أنفسنا أمام تنقلان متوازيان: واحد في الشمال قاده الهندو أوربيون, و آخر في الجنوب قاده الساميون. كلا التنقلان هما نتاج نفس الدافع: نُدرة الأمطار كانت تُجبرُ هذه الشعوب على الانتشار في الأرض بحثا عن مناطق ملائمة للعيش.

طالع أيضا دبلوماسي من البيرو يكتب: مساهمة اللغة العربية في اللغة الإسبانية

البدو الرُحل هم عبيد قطعانهم التي تعيش على ما تُنبتُ الأرض من عشبها. في نهاية المطاف, يجد الطرفان نفسيهما تحت رحمة الظروف المناخية التي قد تتخذ طابعين, كل طابع سيؤدي لحركة تنقلات بشرية مختلفة:

الطابع المناخي الأول: تقلبات المناخ طبيعية, بمعنى أن عاما من الجفاف يتلو دورة من السنوات الماطرة. في هذه الحالة, و حتى يُنقذوا أسرهم من خطر المجاعة يقود البدو الرحل قطعانهم مؤقتا إلى الأراضي الفلاحية التابعة للحضر المستقرين على مشارف السهوب. عندما يحاول الحضرُ حماية أراضيهم من البدو النازحين تحصل مناوشات بين الطرفين و معارك موسمية, و قد فصّل الباحث و المؤرخ الأمريكي بريستد Breastedهذه الظاهرة حين دراسته عام 1920 لماضي الشعوب التي كانت تعيش في المنطقة التي أسماها الهلال الخصيب (فلسطين, سوريا, بلاد الرافدين…) و التي تحيط شمالا بالجزيرة العربية, و هي منطقة كان يسمح مناخها و تضاريسها بازدهار الفلاحة. لهذا سنُسمي ظاهرة ارتباط عام الجفاف بالمناوشات و المعارك بقانون بريستد Breasted.


2-      لكن المشكل قد يصبح أكثر خطورة. فالأزمة المناخية ليست عابرة بسبب تقلب مناخي عابر و إنما, كما سنرى في الفصل القادم, بسبب تغير في المشهد الطبيعي. و هي ظاهرة تختلف تماما عن السابقة. نحن الآن أمام موجة طويلة من سنوات الجفاف أو الأمطار الغزيرة تتسبب في حدوث تغير في الحياة النباتية. عندما تنخفض معدلات الأمطار تحت مستوى 250 ملم سنويا, و خصوصا في مناطق البدو, فإن الوضع يُصبحُ حرجا. و حتى يستمروا على قيد الحياة على هؤلاء مغادرة البلاد. و أمامهم خياران اثنان لا ثالث لهما:

طالع أيضا ماذا تعرف عن مدينة قرطبة؟ وكيف ومتى سقطت من يد المسلمين؟


أ‌-    إما أن يتخلوا نهائيا عن حياة الترحال للهجرة إلى مناطق قريبة أكثر خصوبة و يستقروا فيها و لكن عليهم التأقلم مع هذه الحياة الجديدة.
ب‌-    و إما أن يخوضوا مع قطعانهم عُباب تنقل طويل جدا بحثا عن أراضي أكثر رطوبة. في هذه الحالة, و حسب المسافة التي سيخوضونها, سيُعتبر هذا التنقل هجرة حقيقية حيث سيكونون أمام استحالة العودة إلى الوطن.
هذه التنقلات المختلفة مرتبطة بالعامل الجغرافي, و لها طابع بيولوجي و يمكن مقارنتها بهجرات الحيوانات عبر الأرض على طول مسار تطورها. لن يحصل نفس الأمر إذا كانت هذه الحركة تقودها إرادة عليا تحدد الأهداف التي ينبغي تحقيقها. فحينها يتعلق الأمر بغزو ذو أهداف عدائية. العمل العسكري حينها يطغى على أي اعتبار آخر و الأولوية تتجه لإخضاع الشعوب التي تعيش في الأراضي المستهدفة. و بالتالي لتعزيز حظوظ نجاح الغزو في تحقيق أهدافه المُحددة, لا يكفي التنظير له, و إنما ينبغي أيضا تأطيره و دعمه من خلال تنظيم اجتماعي قوي. من دون دولة, لا يوجد غزو. لهذا كانت حالات الغزو نادرة في التاريخ, فهي تتطلب حكومة جبارة لتحقيق و لو جزء من أهدافها. و نعلم أنه منذ العصر الحجري الحديث و إلى العصر الحديث, هذه الماكنة القتالية الخارقة الكاسحة كان وجودها استثنائيا و نادرا.

طالع أيضا كيف عاش الأندلسيون في عصر أمراء الطوائف؟ إليك التفاصيل


الطابع المناخي و الجغرافي للجزيرة العربية.
يرجع وجود صحاري الجزيرة العربية الوسطى, الربع الخالي, نجد و صحراء سوريا إلى عصور غابرة. في حقب ماضية كانت في الشرق الأوسط مروج شاسعة, شبيهة بمروج الغرب الأقصى الأمريكي Far West, و كانت مساحة السهوب الجافة أو الشبه جافة أكبر مما هي عليه اليوم. نفس الأمر حدث في المناطق المسقية في اليمن و الحجاز. لكن مع قدوم موجة الجفاف التي عصفت بالمنطقة في الألفية الماضية, تغير المشهد الطبيعي و اندلعت على إثر ذلك الأزمة الاقتصادية التي عبثت بهذه المنطقة الشاسعة و المهمة, فكانت السبب في التنقلات الديمغرافية التي يشير إليها تاريخ شعوب الهلال الخصيب. هكذا إذن يمكن اعتبار هذه المنطقة شاهدة على التدهور المستمر للتضاريس النباتية منذ قديم العصور.

طالع أيضا بلدة “الحسين” الإسبانية.. غاب المسلمون فحافظ الإسبان على الاسم


تصَرَفَ البدو الرحل في الجزيرة العربية طيلة هذا التطور المناخي الطويل وفق الصورة التي وصفناها سابقا. عندما حلَّت أزمة القرن السابع الميلادي, و التي سندرسها في فصل قادم, شرعوا في التنقل نحو الصحراء الغربية, كما فعلت القبائل الهلالية, و أيضا نحو مناطق و مدن الهلال الخصيب. سنُحللُ فيما بعد الدور الذي لعبوه في انتشار الإسلام. حاليا يكفينا الإشارة إلى أنه في عصر النبي محمد كانت للأراضي العربية سحنة شبيهة بتلك التي لها اليوم. كان عدد السكان قليلا للغاية. باستثناء بعض المناطق القليلة المتوفرة على حقول, لم يكن هناك حضرٌ البتة. كان البدو يعيشون حياة الترحال و يزاولون تجارة القوافل. وسط هذه الظروف, يمكننا استنتاج غياب الموارد الديمغرافية و الاقتصادية الكافية في هذه المناطق لإقامة هياكل دولة عظمى. أضف لذلك أن هذه القبائل كانت كثيرة التوجس و متناحرة فيما بينها و كانت تحافظ على استقلالها بشكل ضارٍ.
كيف يمكن إذن تشكيل جيش؟ و من أين يمكن الحصول على الموارد اللازمة للحفاظ عليه؟ فلإنجاز العمليات العسكرية الجبارة التي تصفها لنا النصوص التاريخية, كان من اللازم التوفر على قوات ذات قدرة هجومية خارقة. يجب النظر للأمور بواقعية: كان ينقص الرجال في المقام الأول…

طالع أيضا “لا أنتِ أنتِ ولا الديارُ ديارُ”: أجمل ما قاله شعراء الأندلس في رثاء المدن المفقودة


لا يستطيع المؤرخ تجاهل المشاكل التي يطرحها العامل الجغرافي. فلو صحت الفرضيات, و كانت الجزيرة العربية في القرن السابع أراضي جافة أو شبه جافة, فما كان بالإمكان تواجد تجمعات ديمغرافية في تلك المناطق الشاسعة, و بالتالي لم تكن هناك جيوش. و لو كان بالإمكان تجنيد عدد كافي من الرجال للقيام ببعثات عسكرية, فإن البلاد لم تكن فيها صحاري مهجورة, و هناك دلائل كافية للبرهنة على العكس. للبرهنة على نظريات الغزوات العربية, كان من الواجب التأكد أولا من أن الجزيرة العربية كانت تحضى بمقاييس أمطار كافية لتثمرَ الأرض و تسمح بعيش تجمعات ديمغرافية ضخمة. و بالنظر لما نعلمه اليوم, كان هذا الأمر بعيدا كل البعد عن الواقع.

طالع أيضا: ما الذي تبقّى من جينات المسلمين في إسبانيا اليوم؟ إجابة صادمة


الحصان و الجمل و ارتباطهم بالمشهد الطبيعي
في منطقة ذات سُحنة صحراوية و جافة, لا يُمكنُ للحصان العيش. حسب شهادات ضباط القيادة العسكرية البريطانية و الفرنسية, عندما كانت تُهيءُ حملة عسكرية تضم الأحصنة, كان يُخَصصُ لكل حصان 40 لترا من الماء يوميا. المسافر الذي يقطع الأراضي الصحراوية عليه أن يحمل معه طعام و شراب حصانه. و هذا أمر مستحيل إذا كانت المسافة الواجب قطعها طويلة جدا. في المقابل, باستطاعة الجمل أداء هذه المهمة, فهو ينتمي لذات الحوافر القليلة المُهيأة من خلال بنيتها الجسمانية لتحمل الظروف العدائية لهذه المناطق القاسية (8). لهذا السبب كان البدو في الجزيرة العربية يتوفرون على قطعان من الجِمال و ليس من الخيول. هكذا إذن “الخيل العربي الأصيل” ليس سوى أسطورة موازية لأساطير الغزو, و تعود مثل كل الأساطير لأصول يصعب تصديقها (9).
من جهة أخرى, ظهرت حِدوة الفرس في بلاد الغال في عصر الملوك الميرولنجيين (481-751م) (10). قبل ذلك, عندما كان يُراد أخذ الفرس أو الجمل في طريق حصوية, مثل الحمادات في الصحاري, كانت تُلفُ أقدامها بالجلود لحمايتها. عن هذا الأمر كتب الجنرال الفرنسي بريموند Brémond: “ها هو ظرفٌ آخر لا يخدمُ أسطورة غزو شمال إفريقيا من طرف فُرسانٍ عربٍ خرجوا من صحاري الجزيرة العربية. قطعوا 3 آلاف كيلومتر على صهوة خيول لا تضع حذوات. لابد أن حوافرهم كانت ستُمحى كليا” (11). سنورد في فصل آخر مصدر هذه الأسطورة. الآن ينبغي الإشارة أيضا إلى أن الجنود آنذاك لم تكن لهم رِكاب؛ فلم تُستورد من الصين إلا في القرن التاسع. فكان من الصعب, بل من المستحيل, على هؤلاء الفرسان البقاء على صهوة الأحصنة مدة طويلة و لأيام عديدة.

طالع أيضا: 8 عادات إسبانية غريبة تفاجئ الأجانب والسياح أثناء زيارتهم البلد


لقد تجاهل المؤرخون الكلاسيكيون كل هذه الصعوبات. فالمؤرخ الفرنسي لويس سيديو Sedillot (1808-1875) مثلا يشيرُ إلى أن النبي في إرساليته العسكرية الثانية ضد الغسانيين بدمشق (630-632) بعث القوات التالية: “10 آلاف فارس, 12 ألف جملا, و 20 ألف راجل”. لقد خُدِعَ هذا المُستشرقُ المرموق من طرف الراوي العربي, ليس بسبب المبالغة, و إنما بسبب كذبة صريحة و بسيطة استطعنا اكتشافها من خلال معارفنا الحالية في مجال الجغرافية الحيويةBiobeography: الجِمال و الخيول تتنابذان و لا يطيقان بعضهما. فهما ينتميان لفصيلتين حيوانيتين متناقضتين, و يعيشان في مناخين مختلفين و بالتالي لا يعيشان في نفس الوسط الطبيعي. كما علمتنا التجربة أنه لا يمكن أن يعيشا في نفس المكان و لو بشكل مصطنع. روائحها تثيرها بشكل متبادل, بحيث من الصعب تصور تعايش قطعان من هذه الحيوانات لأداء عمل جماعي و منظم, و كأنك تضع في نفس الجبهة كتيبة من القطط و الكلاب ليواجهوا نفس العدو.
من جهة أخرى, الجنرال بريموند Brémond, القائد العسكري لبعثة قوات التحالف التي حررت في الحرب العالمية الأولى الجزيرة العربية من السيطرة التركية, علَّقَ على نص سيديو Sedillot و استنتج أن 10 آلاف فرس يحتاجون ل 400 ألف لتر من الماء الصالح للشرب يوميا. أين يُمكن العثور على هذه الكمية الكبيرة من الماء في الصحاري و القفار؟ و أضاف: “كان من المستحيل, خاصة في تلك الفترة, إبقاء 30 ألف رجل و 20 ألف دابة على قيد الحياة. في عامي 1916-1917, لم نستطع توفير سوى مؤونة 8 أيام للأربعة عشر ألف عسكري الذين جمعناهم قرب المدينة (المنورة) رغم الدعم الضخم الذي كان يصلنا من الهند و مصر عبر السفن البخارية” (12).

طالع أيضا: إسبانيا تقلص ساعات تدريس الدين وتزيد الرياضيات واللغات والفنون: ماذا عن تدريس التربية الإسلامية؟


صعوبات في وجه الغارات.
هذا مجرد مثال واحد. و بالإمكان توجيه انتقادات مماثلة لأغلب الروايات التاريخية التي شكلت مصدر النصوص الحالية. مع ذلك ليس من الضروري اللجوء لشهادات التجربة المعاصرة لوضع المشكل في سياقه التاريخي. فهذه الروايات تشير لنا بنفسها للصعوبات التي كانت تُقلقُ الساسة و القادة آنذاك عندما كانوا ينوون شن غزوة في مناطق غنية و قريبة من مناطق سيطرتهم. نَذكُرُ هنا ما كتبه ليفي بروفنسال عن عبد الرحمان الثالث, أحد أكثر الملوك الذين حكموا إسبانيا ذكاءا و قوةً, حول السرايا العسكرية التي اعتاد إرسالها نحو الشمال, خاصة إلى إقليم سبتمانيا جنوب فرنسا بين رودانو و البرانس:

“لكي يُقررَ الخليفة تسيير غزوة صيفية “الصائفة” يجب أن يكون المحصول وفيرا لكي يقتات الجيش على ما سيجده في طريقه, و هذا شرط لا بد من توفره. هكذا, في غارته على “البلدة”عام 919 حرص عبد الرحمان أشد الحرص على بعث من يمتحن حالة الزرع و غيَّر مساره حتى يمر الجيش عبر أماكن يكون الزرع فيها قد أينع. أما في السنوات التي  يكون الزرع فيها ضعيفا فلم يكن يجرؤ حتى على التفكير في الخروج للغزو. عند ذكره لأحداث عام 303 هجرية (915 ميلادية) أورد صاحب البيان: “و لم يكن في هذا العام لضيق الأحوال فيه أن يكون غزاة أو إخراج جيش”. علما أنه لا يتعلق الأمر إلا ببضع مئات من الكيلومترات ! و رغم حذر الخليفة, لم يُبدي هذا المؤرخ المتخصص أدنى اعتراض يُذكر على الظهور المفاجئ في الجزيرة الإيبيرية لجيوش جاءت من الجزيرة العربية…لم ينشغل إن كانت المحاصيل وفيرة في طريق الجيش أم لا (13).

طالع أيضا: خايين: إطلاق مشروع لترميم الحمامات العربية


لا يُفَسرُ قانون بريستد الغزوات العربية في الهلال الخصيب. ففي الأزمة المؤقتة لا يستطع البدو الرحل البقاء إلى ما لا نهاية في أماكن غريبة عنهم. فبعد زوال الشدة, عليهم الانسحاب حتى لا تتم مهاجمتهم من طرف قوات متفوقة عليهم. لقد استطاعوا الحفاظ على قطعانهم خلال الأسابيع الحرجة و بالتالي بلغوا مرادهم. لكن الوضع يختلف حينما تحدث أزمة مناخية طويلة. ففِراراً من الجفاف و بنفوق الماشية, هاجر البدو العرب في اتجاه المدن و المناطق الأكثر خصوبة. جرى هذا التنقل الديمغرافي بشكل شبيه للهجرة الحالية من القرى نحو المدن الصناعية الكبرى. حركة الهجرة هذه كانت ثابتة طيلة السنوات الأولى للأزمة و اتخذت عند وصول الأزمة لدرجات خطيرة طابعا دراماتيكيا.في ظروف كهذه, كيف يمكن تصور غزو بلاد البربر من طرف جيوش عربية و نحن نعلم على وجه اليقين أنه لم يكن لها وجود؟ هناك ألف كيلومتر تفصل الحجاز عن الأراضي الفلاحية للهلال الخصيب. لو صحَّ زحفهم في قوات كافية, لكان عليهم بدل مجهود خارق لاحتلال مصر, فلسطين و سوريا, و كان عليهم أن يقاتلوا على التوالي الفُرس و البيزنطيين؛ و هذا دون الحديث عن استقبال السكان المحليين الذي قد يكون وديا أو عدائيا. لكن, ماذا سيحدث لهذه القوات العربية إذا كان عليها تجاوز صحراء ليبيا, إحدى أسوأ المناطق في العالم. كيف سيكون حالهم بعد هذه المغامرة المجنونة؟ كانوا سيصلون شاحبين و قد أعياهم العطش و لقضى عليهم  البربر, المُهابو الجانب و الأشداء في الحروب, بكل سهولة. (14).

طالع أيضا: إسبانيا تعثر على 400 قبر لمسلمي الأندلس قبل 1300 عام

من الممكن أن بدوا عربا استغلوا ظروفا ملائمة أو بالصدفة حققوا اختراقات في بلاد البربر. لماذا المجيئ بهم من جزيرة العرب؟ ألا تتنقلُ القبائلُ عبر الأراضي الجافة الصحراوية؟ ألم يكُن عليهم القيام بنفس التنقل الذي قام به بنو هلال و الذي يُحدثنا عنه ابن خلدون؟ كيفما كان الأمر, الغزو المزعوم لتونس في بداية القرن الثامن الميلادي هو غير قابل للتصديق مثل الغزو اللاحق للجزيرة الأيبيرية. لقد دارت الأحداث في بلاد البربر في خط متناسق مع خط تطور القوى في إسبانيا.

تصِفُ الرواية التاريخية هذه الغزوات المتتالية كركضة إعجازية أو كلاعب خفة يخرج من قبعته في كل حركة أشياء متنوعة و مثيرة: وشاح, أرنب, حمامة,…. بعد الاستيلاء على قرطاج, سنتحول من السحر الأبيض لننغمس في السحر الأسود. الخيال سيجنح نحو اللامعقول. المسافات المقطوعة تتزايد باستمرار, جغرافيا المناطق المَغزُوة تزداد اتساعا و تركيبا, الحواجز أكثر قوة, الوقت الفاصل بين هجمة و أخرى يتقلص باستمرار. في ظرف 10 سنوات احتل العرب شمال إفريقيا, و في ظرف ثلاثٍ فقط سيطروا على الجزيرة الأيبيرية. سلاسل جبلية, مضائق بحرية, أنهارٌ عظيمة تم عبورها بسهولة كبيرة. رغم تحصيناتها و قلاعها, استسلمت المدن بالمئات. لا عجب في ذلك, فالعمل جبار و جهود الفرسان كانت مكثفة. الأدهى من ذلك أنه إذا أخذك الفضول و أردت الاستفسار عن الأحداث و معرفة تفاصيل أكثر عن هذه الغزوات المجيدة و العظيمة ستجد نفسك أمام تناقضات مهمة للغاية, ليس في نقاط هامشية, و إنما في المحاور الرئيسية و في القرن الذي جرت فيه الغزوات العربية لشمال أفريقيا, ليس فقط في كتب التاريخ المُؤلفة  في القرون الوسطى و إنما حتى في الكتابات الحديثة.

طالع أيضا: الاستعراب الإسباني.. قراءة التاريخ بعيون غربية أم استرجاع لزمن التعايش الحضاري الأندلسي؟

عبور مضيق جبل طارق.

أوردنا في الفصل السابق رأي أحد المتخصصين المرموقين في تاريخ بلاد البربر. بالنسبة لجورج مارسي Georges Marçais (1946) احتاج العرب ل 150 سنة للسيطرة على شمال إفريقيا. بينما ليفي بروفنسال في كتابه “تاريخ المسلمين في إسبانيا” (1950) فقد تقبل النظرية الكلاسيكية التي تقول أن شمال إفريقيا احتُلَّ في 10 سنوات. بالنسبة للمؤرخ الأول تمت السيطرة في منتصف القرن التاسع الميلادي, أما بالنسبة للثاني فقد تمَّ الأمر في بداية القرن الثامن الميلادي. يقول ليفي: “في الوقت الذي وصل فيه لوذريق لعرش طليطلة, كان العرب قد انتهوا من تعزيز موقعهم في شمال المغرب الأقصى و أكملوا احتلال وسط البلاد” (15).

لقد انتقلت التناقضات التي نجدها في كتب التاريخ القديمة إلى كتب المؤلفين المعاصرين. كل واحد منهما له دوافعه المرتبطة بموضوع بحثه. فحتى يصل جورج مارسي لفهم الأحداث التي جرت في بلاد البربر, نقَّب في الكتابات القديمة عن الشهادات الأكثر وثوقا لمُقابلة بعضها ببعض و من تم البحث عن نقاط التلاقي بينها. أما ليفي بروفنسال الذي كان يدرس تاريخ إسبانيا, فلم تكن تهمه تفاصيل ما جرى في بلاد البربر. يكفيه أن العرب كانوا موجودين في المغرب الأقصى في بداية القرن الثامن كي يُمرر للقارئ, المُهيَء منذ مرحلة الدراسة, نظرية غزو الجزيرة الإيبيرية. كانت مهمته ستكون صعبة للغاية لو تحدث عن غزو عربي لإسبانيا بينما الغزاة العرب لم يكونوا موجودين على الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق.

طالع أيضا: ماذا تعني كلمة الأندلس؟

إذا ما تفاجئ المرء حين يعلم كيفية و سُرعة البرق التي احتل بها العرب مناطق شاسعة للغاية و صعبة مثل شمال إفريقيا , سيبقى مشدوها أكثر حينما يعلم السهولة التي استطاع بها هؤلاء البدو عبور مضيق جبل طارق. لم يكونوا يملكون قوة بحرية, و هذا أمر طبيعي باعتبارهم اعتادوا الإبحار في الصحراء على سنام الجِمال. لنفترض أنهم تحصلوا على السفن, ما كان بإمكانهم نقل جيشهم الصغير إلى الضفة الأخرى دون مساعدة بحارة محليين يملكون الخبرة اللازمة. فمضيق جبل طارق هو واحد من أخطر المضايق على الصعيد العالمي, حيث يتداخل فيه تياران قويان متضادان. تيار سُرعتُهُ 4 إلى 6 أميال و آخر سُرعتُه ميلين. يتغير اتجاههما حسب المد و الجزر, و هي ظاهرة كان يجهلها الملاح المتوسطي, و ذلك حسب كمية المياه التي تدخل أو تخرجُ من المحيط الأطلسي. و لتعقيد الوضع أكثر, تعبُر هذا المضيق باستمرار رياح عاتية و مفاجئة حولته حتى يومنا هذا إلى مقبرة للسفن.

طالع أيضا: السمح بن مالك.. لماذا هاجم أمير الأندلس جنوب فرنسا؟

وِفقَ الروايات التاريخية, قدَّمَ الكونت يوليان حاكم الساحل الإفريقي للغُزاة 4 قوارب عبروا من خلالها إلى الضفة الأخرى. إذا استطاع كل واحد منها نقل 50 رجلا بعتاده – و هذا أقصى ما يمكن حمله- فكانوا سيحتاجون ل 35 رحلة لنقل جنود طارق السبعة آلاف. إذا احتسبنا يومين لكل رحلة, يوم للذهاب و يوم للإياب, فكانوا في حاجة إذن ل 70 يوما لإتمام الإنزال في الضفة الإسبانية, أي أكثر من 3 أشهر إذا احتسبنا أيام البحر الهائجة حيث يستحيل الإبحار, و هي ظاهرة شائعة هناك. من جهة أخرى كان المضيق غير قابل للعبور في فترة الشتاء. بعبارة أخرى, لو كان الأمر يتعلق بغزو, لضُربت أعناق العدد الضئيل لأوائل النازلين بالضفة الإسبانية قبل أن تتركز قوات أكبر بالجزيرة الخضراء.

طالع أيضا: بشهادة العلماء الإسبان: هذه هي عجائب مزج المسلمين الفن والرياضيات في بناء قصر الحمراء

لعبور جنود طارق السبعة آلاف, كان من الضروري القيام بحوالي 100 عملية إنزال. لكن البحرية كانت متقهقرة آنذاك و لم يكن من السهل إيجاد وسائل للعبور. لم يكن للبربر أسطول بحري. شعب واحد فقط في الجوار كان يمكنه العبور: إنهم القادشيون.كان القادشيون يُبحرون لإنجلترا منذ الألفية الثالثة بحثا عن معدن القصدير, كما أنهم جالوا في الساحل الإفريقي, و يُعتقد أنهم قاموا بدورة حول القارة. هناك احتمال كبير أن يكونوا هم من نقلوا قبل 3 قرون من ذاك التاريخ جنسيريك Genseric و شعبه الوندالي (16), لكن لا توجد شهادة موثقة عن ذلك. ربما كانت لهم القوارب اللازمة لمهمة نقل القوات, و لكن…أليس من الغريب شيئا ما أن يُقدِمَ الأندلسيون قواربهم لمن جاء لإخضاعهم؟ لنفترض أنهم خُدِعوا و اختلط عليهم الأمر خلال العبور الأول الذي قاده طارق, فكيف لُذِغوا من نفس الجحر و خُدعوا بنفس الطريقة حين العبور الثاني الذي قاده موسى ابن نُصير بعد بضعة أشهر عن العبور الأول, و كانت قواته أكبر عددا و بالتالي احتاجت لدعم أكبر لإتمام عملية إنزال قواتها في الضفة الإسبانية؟

و أخيرا اجتاح العرب إسبانيا. كان الرومان يتقنون صناعة الأسلحة و برهنوا تاريخيا على علو كعبهم في هذا المجال, و مع ذلك احتاجوا 300 سنة لاحتلال إسبانيا, بينما لم يحتج العرب إلا لثلاث سنوات فقط لاحتلالها.

عندما يشُنُّ الغازي هجمة بعيدا جدا عن قواعده المعتادة, فعليه تعزيز قواعد مُتقدِمة ليحفظ هامشا من الأمان و المناورة لتحركاته. حسب الرواية الرسمية للتاريخ, أهمل العرب دون اكتراث هذا المبدأ الأساسي في الفن العسكري. لم يتوقفوا لالتقاط الأنفاس و استعادة بعض الطاقة بعد الجهد المبذول, بل انطلقوا في مغامرة جديدة. وصلوا إلى تونس, و مباشرة ساروا نحو المغرب الأقصى. لمحوا من بعيد أمواج المحيط , فقطعوا البحر إلى إسبانيا. قضوا ثلاث سنوات من العجلة, لم يتوقفوا لا للراحة, و لا للاستمتاع بالغنائم و التلذذ بسبايا البلاد. كانوا على عجلة من أمرهم لتجاوز جبال البرانس و الاستيلاء على أكيطانيا و سبتمانيا في فرنسا.

الأخطاء الجغرافية في الروايات التاريخية القديمة

travel tours images 1354900258 861


لقد وصفت كتب التاريخ هذه الأحداث مُهمِلةً العامل الجغرافي. لم تكن للغزاة خرائط. لم يكن لهم هدف محدد لتحقيقه. لقد رُويت هذه الأحداث بسذاجة تترك القارئ مندهشا أمام مغالطات كبيرة كررها مؤرخون معاصرون مرموقون دون أن يفكروا للحظة في مقابلتها مع خارطة ما. ها هي بعض الأمثلة استخرجناها من الإخبارية العربية “أخبار مجموعة” واحدة من كتب التاريخ المعتبرة: “فوَليَ الوليدُ, و ثغرُ إفريقية أهَمُّ الثغور إليه” (17). و إفريقية هي تونس حاليا. بالنسبة للمؤلف مجاورة هذه البلاد كان يُقلقُ الخليفة الوليد بن عبد الملك. لكنه على ما يبدو كان يجهلُ أن 3 آلاف كيلومتر تفصلُ بين إفريقية و مصر و ربما كان يتصور أنه في هذه المسافة الشاسعة لا توجد في كتبان الرمال و لا في مياه البحر قبائل و حواجز ينبغي خشيتها.

بعد معركة وادي لُكة  كتب هذا المؤلف المجهول: “ثمَّ مضى طارق إلى مضيق الجزيرة, ثم إلى مدينة إستجة”. و كأنهما على مقربة من بعضهما. من المُستغربِ جدا أن يجرأ جيش غريب على الولوج في أخاديد و وديان عميقة حيث يسهل الإطباق و القضاء عليه, حيث تضيق المسالك في بعض المناطق حتى تصبح أبعادها مثل أزقة ضيقة تتراص في جنباتها صخور و أحجار عظيمة. من إستجة إلى بلدة خمينا ديلا سييرا Jimena de la Sierra التي تقع شمالها, هناك حوالي 160 كيلومترا قطعها الغُزاة و عبروا خلالها مدنا عظيمة مثل رُندة و أسونا اللتان تأسستا قبل العصر الروماني, و لكن المؤلف العربي لم يُشر لهما البتة.

كان الغُزاةُ يجهلون سبب مجيئهم إلى إسبانيا. لا يعلمون إلى أين يتجهون. كان النصارى هم من يعطونهم بعض الأفكار حتى يكون لهم دافع لاحتلال البلاد, كما يفعل موظف وكالة الأسفار الذي يقترح برنامج رحلات لسائح ما. هذه ليست مزحة, فمؤلف “أخبار مجموعة” يقول: “ثم دخل موسى بن نصير في رمضان سنة ثلاث و تسعين في جماعة الناس. يقالُ معهُ ثمانية عشر ألفا, و قد بلغه ما صنعَ طارق, فحسدهُ, فلما نزل الجزيرة قيل له: اسلُك طريقهُ, قال: ما كنتُ لأسلكَ طريقه. قال له العلوج الأدلاء: نحن ندلك على طريق هو أشرفُ من طريقه, و مدائن هي أعظم خطبا من مدائنه, لم تُفتح بعدُ, يفتحها الله عليك, إن شاء الله”.

بعبارة أخرى, كان الغُزاة تحت رحمة سكان الجزيرة الإيبيرية.

على القارئ ألا ينجر إلى مقارنة التاريخية خادعة بين غزو العرب لإسبانيا و غزو الإسباني إرنان كورتيس للمكسيك. ففي القرن السادس عشر كان للإسبان تفوق ساحق مقارنة بالساكنة الأمريكية التي لم يسبق لها أن رأت الجنسَ الأبيض و لا حيوانات تشبه الأحصنة. لم يخطر ببالهم أبدا امتطاء صهوة حيواناتهم. لما رؤوا الفرسان الإسبان ممتطين أحصنتهم, اعتقدوا أن الفارس و حصانه هو مخلوق واحد, فاندهشوا لمَّا ترجل الفرسان من على خيولهم, و بدل أن يموت هذا المخلوق اكتشفوا أن بإمكانه الانشطار لجزءين و العيش بشطرين منفصلين و العودة للالتحام متى شاء. كما كان الإسبان يستعملون الأسلحة النارية ما منحهم تفوقا عسكريا مقارنة بالأمريكيين. هذا التفوق, التقني و البشري, منحهم هالة تقديرية ساعدتهم في عملية الغزو.

أما بالنسبة للغزو العربي للجزيرة الإيبيرية فقد انقلبت الأدوار. لقد كان الشعب المَغزو هو صاحب الحضارة المتفوقة و صاحب التفوق في السلاح بامتياز و ذلك بتوفره على الخيول. هناك رسومات صخرية قديمة في إسبانيا للحصان المُدجن و هي تُقدم شهادات غزيرة على أن الجزيرة الإيبرية كانت أهم مربِطٍ للخيول في الإمبراطورية الرومانية على الإطلاق. من جهة أخرى, نَقلُ العرب خلال الغزو للخيول إلى الضفة الإسبانية ستكون عملية شاقة للغاية بالنسبة للبحارة الذين كُلفوا بنقلهم بالنظر للوسائل القليلة المتاحة لهم. نقلُ الخيل عبر البحر كان دائما عملية معقدة بالنظر لدرجة التوثر العالية لديها, لهذا نادرا ما غامر العسكريون بنقل الخيول عبر البحر إلا إذا توفرت سفن شاسعة كانت تقطع البحر المتوسط الهادئ. ما من شك إذن أن الخيول القليلة التي استطاعت العبور عبر قوارب يوليان وصلت في حالة يرثى لها.

بعد معركة وادي لكة, يحكي مؤلف “أخبار مجموعة”, لم يعد هناك مُشاة في الجيش الغازي, فجميعهم استطاعوا الحصول على خيول, ما يعني أنهم لم يكونوا يملكونها قبل ذلك: “فبعث مغيثا الرومي, مولى الوليد بن عبد الملك, إلى قرطبة, و كانت من أعظم مدائنهم, و هي اليوم قصبة الأندلس و قيروانها و موضع ملكها, في سبعمائة فارس, لم يبعث معهم راجلا واحدا, و لم يكن بقي من المسلمين راجلٌ إلا ركب…”. يا إلاهي, لقد حققت هذه الكتيبة إنجازا خارقا, ما من شك أنه حدث فريد في تاريخ الحروب. لقد استولت على المدينة الأكثر ساكنة في إسبانيا و المنيعة بأسوار عظيمة شُيدت في نهاية العصر الروماني و لازال جزء منها قائما إلى يومنا.

هكذا تحولت الكذبة الكبرى إلى أمر بديهي. فمنذ أن تدفق العرب بعد وفاة النبي في نصف الكرة الأرضية مثل موجة تسونامي جبارة, استولوا في عمل أقرب إلى السحر على أعظم المدن و أحصنها. و هذا ما اعترض عليه الجنرال بريموند حين الاستيلاء على الإسكندرية من قِبل جماعات بدوية قادمة من الصحراء, و هي المدينة العظيمة التي كان يقطنها آنذاك حوالي 600 ألف نسمة. فللسيطرة عليها و دك حصونها, كان العرب في حاجة لآلات جبارة و معقدة. و هذه قاعدة عسكرية معمول بها منذ أزمنة غابرة. و لصناعة هذه الآلات و نقلها و وضعها على بطاريات كانوا في حاجة لعتاد هائل, إضافة لمهندسين و عمال مختصين و موارد مالية ضخمة…إلخ. بعبارة أخرى كانوا في حاجة ماسة لتنظيم, و هذا أمر لم يخطر من دون شك في بال هؤلاء القادمين من الصحراء.

و ماذا عن تلك المدن التي تقع في مناطق منيعة جغرافيا كطليطلة و رُندة؟ ألم تحفظ هذه الأخيرة استقلالها مدة نصف قرن قاومت خلالها قوات الأمراء القرطبيين الذين لا يمكن مقارنة قوتهم الجبارة بقوة جيش طارق و موسى؟ على العموم, الرواة العرب الذين وصفوا غزو الجزيرة الإيبيرية كانوا واعين بهذه الصعوبة فتجنبوا الخوض في المسألة.  بالنسبة لصاحب “أخبار مجموعة”, تعود هذه النجاحات لاستعمال خدع استراتيجية. نُقدم هنا, كمثال, الخدعة التي دفعت ماردة للاستسلام لموسى بن نصير, و هي المدينة التي تحميها أسوار عظيمة قال عنها صاحب أخبار مجموعة :”و هي مدينة حصينة  لها سور لم يَبن الناسُ مثله”. لما حاصر الغزاة المدينة دخل موسى في مفاوضات مع المُحاصرين: “فخرجوا إليه فألفوه أبيض اللحية, فراوضوه على شيء لم يوافقه, ثم رجعوا, فلما كان قبل العيد بيوم خرجوا  إليه ليراوضوه, فإذا هو قد شبَّب لِحيته بالحناء, فألفوه أحمر اللحية, فعجبوا و قال قائلهم: أظنهٌ يأكل ولد آدم, أو ما هذا الذي رأيناه بالأمس.

ثم خرجوا إليه يوم الفطر, فإذا اللحية سوداء, فرجعوا إلى أهل مدينتهم, فقالوا: يا حُمقاء, إنما تقاتلون أنبياء يتخلَّقون كيف شاءوا يتشبَّبون, قد صار ملكهم حدثا بعد أن كان شيخا, اذهبوا فأعطوه ما سأل…”.

لم تكن ماردة بلدة صغيرة يقطنها سكان الكهوف. لقد كانت من أعظم مدن الامبراطورية الرومانية و كان تُسمى Emerita Augusta. خلال عصر مملكة القوط كانت مشهورة بمآثرها و خصوصا كنيستها سانتا يوليا التي قارنها المؤرخ برودينسيو Prudencio بكنائس روما. صحيح أنها فقدت الشيء الكثير من مجدها الماضي لكنها كانت ما تزال مركزا حضريا مهما. لكن حسب صاحبنا مؤلف “أخبار مجموعة” كان سكانها يجهلون تقنية الحناء, و أنه بالإمكان تخضيب اللحية بالحناء !

مع ذلك يمكننا تصور استسلام مدينة أو أكثر من خلال خدعة أو خيانة. لكن لا يمكننا تصور جماعات خرجت من الصحراء إلى آسيا, إفريقيا و أوربا و استولت كما في عملية صيد كبيرة على المئات من المدن, بعضها كان من أهم المدن آنذاك. بالنسبة للإخباريين العرب الأوائل احتلال إسبانيا هو نتيجة عمل رائع حققه رجلان عبقريان و محظوظان. بعد مرور القرن الحادي عشر و قيام المرابطين و الموحدين بالحركة التصحيحية المضادة , تحول فتح الأندلس إلى حدث إعجازي منحته العناية الإلاهية للمؤمنين إعلاءا لراية الإسلام.

السيطرة القوطية و الغزو العربي المزعوم للجزيرة الإيبيرية

كان ينبغي تفسير هذه الحلقة العجيبة بشكل طبيعي لاستبعاد فكرة التدخل الإلاهي الذي ساعد المسلمين. لقد وصف المؤرخون النصارى وضعية إسبانيا تحت حكم القوط الغربيين بصورة سوداوية و أشاعوا أن هؤلاء الجرمان كانوا يُرهبون الإسبان, و أن طلاقا  عميقا كان يقسم المجتمع, و للانعتاق من قبضة هؤلاء السادة المنبوذين كان الإسبان على استعداد للتحالف مع الشيطان نفسه. كما تحدثوا بالسوء أيضا عن اليهود. كيف لا؟ فهم بالطبيعة خانوا الأمة التي استضافتهم في شتاتهم. لقد استُعملت كل الأساليب اللغوية و التعابير الأدبية و أشيعت أكثر الأفكار حماقة في سبيل إعطاء الأكذوبة مظهر الواقعية. منذ عصر الراهب المؤرخ خمنيث دي رادا (القرن الثالث عشر) لجأ بعض الكُتاب إلى السرايا الجبارة الخارقة لتفسير النصر العجيب للغزو العربي. ألا يَنسِب, إلى اليوم, صاحب كتاب ضخم لتاريخ إسبانيا السيطرة العربية على الجزيرة الإيبيرية لتفوق العرب في الفن العسكري؟ لقد عبر موكب الفرسان الجزيرة الإيبيرية دون هزيمة ككتيبة مدرعة.

أسست الأمة الإسبانية, طيلة 3 قرون, من القرن الخامس إلى الثامن الميلادي, هيكلة رائدة برزت ثقافتها بين نظيراتها في أوربا الغربية. بإمكان القارئ في هذا الكتاب الاطلاع على بعض مظاهرها: فَنُها الرائع كان حتى وقت قريب مجهولا, مدرستها الإشبيلية التي برز منها إيزدورو كواحد من أعظم الأساتذة في العصر الوسيط النصراني. من جهة أخرى, أسقط المؤرخون الأجانب خرافة غزوات البرابرة. وبالتالي وجب تفسير المسألة السياسية للجرمان المسيطرين على الإسبان اعتمادا على قواعد أخرى.

لم يكن الغزاة البرابرة هم من انقضوا على حدود الإمبراطورية الرومانية و اجتاحوها كما هو شائع. لو كان الأمر صحيحا, لكان من الصعب عليهم عبور البرانس و التدفق في الجزيرة الأيبيرية دون سحق مقاومات شرسة كانت من دون شك ستترك أثرا في النصوص التاريخية. لا شيء يوجد يسمح بهذا الاعتقاد. كانت الأحداث أبسط بكثير. كان البرابرة الجرمان آنذاك يشكلون الحرس المدني للإمبراطورية الرومانية. لما حصل التفكك السياسي, الاقتصادي و الاجتماعي العام للإمبراطورية كان على القادة اتخاذ إجراءات حاسمة في مقاطعاتهم لأنهم كانوا المسئولين عن النظام العام, ما كان يُفسرُ امتلاكهم للقوة المسلحة.

كان هذا الأمر نتيجة تطور سابق طويل جدا. و بما أن الخزينة الإمبراطورية كانت عاجزة عن أداء رواتب مرتزقتها (الحرس المدني), قامت بمنحهم مزارع و ضيعات لتعويضهم. هؤلاء المرتزقة البرابرة اتحدوا عسكريا فيما بينهم و اتحدت باتحادهم المدن التي يسيطرون عليها(18).

كان هؤلاء البرابرة في القرن الخامس قد تشربوا الحضارة الرومانية و اندمجوا في المحيط العام, و لما وجدوا أنفسهم مضطرين للاهتمام بالسياسة سقطوا في نفس عيوب المواطنين الرومانيين. فتفرقوا شيعا و تناحروا فيما بينهم, ما يبرهن على أن هؤلاء الرجال, مهما كانت جذورهم أو تربيتهم, كانوا خاضعين و مدفوعين من قوى لا يمكنهم السيطرة عليها. في غياب توثيق يُعطي صورة عامة لهذه الفترة العسيرة, فُسرت التحركات العسكرية التي خاضتها هذه الحملات الأمنية و كأنها غزوات, بينما هي كانت مجرد دوريات شرطة كانت تهدف لمعالجة وضعية أمنية مزرية بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية. مع مرور السنوات ارتقوا لمناصب عُليا و اضطروا للتصرف أمام الفوضى العامة بشكل لم يسبق له مثيل آنذاك, حيث خلقوا نظاما جديدا. جرت تحالفات و معارضات بين قادتهم الذين تحولوا مع الوقت إلى ملوك طوائف مستقلين بشكل من الأشكال قبل أن يتحولوا إلى ملوك حقيقيين.

كانت الحقبة فترة هرج و مرج. روت الإخباريات هذه الأحداث بشكل يعكس نوعا من الحنق ضد هؤلاء الدركيين.  إذا تركنا جانبا الدمار و المآسي المرتبطة بالوضع و التي ربما لم يكن بالإمكان تجنبها, فإن أهداف الكتابة المغرضة في حق البرابرة الجرمان لم تكن دائما سياسية. فيما يخص إسبانيا, يكفي قراءة إخبارية إيداتيوس Idatius (395-470), و هي بالمناسبة الوحيدة التي نحوزها حول هذه “الغزوات” البربرية للجزيرة الإيبيرية, لنُدركَ أن مؤلفها لم يناصب العداء لمن غزوا مسقط رأسه جليقية لأنهم غُزاةٌ أجانب, و إنما لأنهم كانوا آريوسيين. لما كان وجود هؤلاء الدركيين الأجانب غير ضروري أو مزعجا كان يتمُ توجيههم إلى مكان آخر. لو كان البرابرة الوندال بقيادة زعيمهم المُرعب Genseric غزاةً احتلوا إقليم الاندلس, هل كان الأندلسيون المغزوون قادرين  على هزمهم و إرسالهم إلى تونس حيث…ينام الشيطان؟

حسب المؤرخ Delbruck, في هذه الفترة تجاوز عدد الساكنة الجرمانية التي كانت تعيش في الراين و الإلبا حاجز المليون. 5 أشخاص في كل كلم مربع (19). إذا كان الأمر هكذا, فلا يمكن تصور غزو ديمغرافي لهذه الشعوب للأراضي المتوسطية التي كانت تملك آنذاك مناخا مختلفا عن المناخ الحالي, إضافة لأكبر كثافة على صعيد القارة. كان القوط الغربيون المُتشرِبون للثقافة الرومانية منذ عصور قديمة يشكلون أقلية صغيرة للغاية في الجزيرة الإيبيرية. دُمِجوا شيئا فشيئا و تأثيرهم كجرمانيين كان ضعيفا للغاية  في الثقافة الوطنية إن لم نقل منعدما. لم يتركوا أثرا مهما  في اللغة. الكلمات ذات الأصل القوطي في الإسبانية, و هي لا تتعدى الخمسين كلمة حسب علماء اللغة, لها أصل سابق للعصور الوسطى المبكرة. باختصار: نظرا لتفكك الإمبراطورية الرومانية و حضارتها, حُكمت إسبانيا من طرف طبقة عسكرية أجنبية. اتبعت هذه الطبقة العسكرية سُنة تاريخية, فتحالفت مع العائلات الثرية التي كانت تملك الأراضي الفلاحية. القانون الشهير الذي بموجبه سُمحَ بالزواج المختلط (بين القوط و الإسبان) لم يكن هدفه في الحقيقة سوى تأكيد أمر واقع. لم يكن موجها إلى عموم الساكنة. يكفي قراءته للاستنتاج أنه كان موجها للرومان و للقوط المُنتمين لطبقات اجتماعية عليا. كان اتفاقا بين الطبقة العسكرية و نظيرتها الأرستقراطية. لا يمكن أن يكون الأمر بصورة أخرى بما أن القوط الغربيين كانوا يكونون أقلية وسط جماهير الساكنة (20).

أشار المؤلفون الذين درسوا حديثا تاريخ إسبانيا في العصر الوسيط المبكر لمسارِ اندماجٍ بين القوط و الإسبان برز منذ القرن السادس. اتخذ هذا المسار في القرن السابع نسقا متسارعا. بالتالي التأويل الذي كان يفسر فتح إسبانيا من طرف العرب بانشقاقات عرقية أو ثقافية موجودة بين الطائفتين, هو ببساطة تفسير  خاطئ.
 من جهة أخرى, تتجاوز هذه المسألة نطاق شبه الجزيرة, إنها مشكلة انتشار الإسلام الذي يجب طرحها من جديد. نفس الصعوبات الموجودة في المشرق هي نفسها في المغرب, في أكيتانيا, في إيران, كما في ضفاف الهند. في عصرنا هذا, حيث تعيش البشرية مجدها, كان يجب إقصاء الخرافات و التراث الكاذب. لقد وُصفت هذه الأحداث بشكل يخالف أبسط مبادئ العقل و المنطق. المؤلفون المعاصرون الذين درسوا هذه الفترة كانوا متخصصين قادرين على قراءة النصوص القديمة المكتوبة بالعربية الكلاسيكية. بسبب جمود التعليم الذي تلقوه في المدرسة, كانوا أكثر نشاطا في التمارين الأدبية و اللغوية و عاجزين تماما عن حل المعضلات الكبرى للتاريخ. كانوا مثقفين واسعي الإطلاع, لا مؤرخين. تتكرر في أعمالهم الروايات التي كانت تُبرزها المخطوطات القديمة, و لكن في خطاب عصري. كانوا يركزون انتباههم أحيانا على أحداث هامشية لا يخرج تأثيرها عادة عن الصعيد المحلي. كانوا يخشون الخوض في المواضيع المتعلقة بالتطور العام للأفكار و خصوصا الأديان. و هكذا الخرافة التي تصلبت طيلة القرون الوسطى تم تعزيزها في القرن العشرين. و هذا لا يساعد في الوصول إلى فهم معين لتاريخ الشرق الأدنى و لا لتفكيك المعضلات الكبرى للتاريخ الكوني.
الهوامش:
(8) لا ينبغي إغفال أن الحصان و الجمل, رغم انتمائهما لنفس فرع “ذات الحوافر”, إلا أنهما ينتميان لفصيلتين مختلفتين. فالجمل حيوان مُجترٌ, بينما الحصان ليس كذلك. لهذا استطاع الأول التأقلم مع الظروف الصعبة للصحراء بشكل أفضل من الحصان. فهو قادر على تخزين الطعام في معدته لفترة محددة و يتحمل العطش لمدة طويلة. و كباقي الحيوانات المجترة, كالظباء مثلا, باستطاعته التنقل بسرعة كبيرة بحثا عن طعام نادر و بعيد.
(9) ينبغي البحث عن أصول الحصان العربي في مروج الهلال الخصيب و ليس في الجزيرة العربية, فهذه الأخيرة كانت أرضا جرداء منذ عصور قديمة. هذا إذا اعتبرنا أن أصولها آسيوية و ليس نتيجة تهجين حصل لاحقا في شمال إفريقيا أو في مكان آخر. أما إشارات القرآن إلى الحصان فهي مجرد طموحات إلى مستوى من المعيشة أرفع و ليس دليلا أو بينة على تواجده اليومي.
(10) Lefebre des Noetes : Attelage et cheval de selle
(11) “البربر و العرب” الجنرال بريموند, ص 41.
(12) “البربر و العرب” الجنرال بريموند, ص 34.
(13) ” إسبانيا المسلمة في القرن العاشر” إيفرست ليفي بروفنسال. الصفحة 139.
(14) هذا لا يعني أن قوات مدربة عجزت عن عبور الصحراء, حيث نعرف أن إرساليتين استطاعت قطع الصحراء و نتوفر على وثائق وفيرة عنهما: الحملة المعاصرة على ليبيا و التي انتهت بانتصار الجنرال البريطاني مونتغومري خلال الحرب العالمية الثانية و ذلك في ظروف لوجستيكية صعبة رغم الوسائل الحديثة المُستعملة”, إضافة للغارة التي قام بها الباشا جودر ضد النيجر بعد عبوره تانزروفت  (1590-1591). تعتبر هذه الحملة الأخيرة جد مهمة لفهم تحليلنا, لأنها جرت في نفس الظروف تقريبا التي عبر فيها العرب صحراء ليبيا إن صحَّ ذلك. ففي نهاية القرن السادس عشر أمر السلطان المغربي مولاي أحمد جيشا صغيرا بشن غارة على نهر النيجر حيث منابع الذهب. كان هذا الجيش مكونا من 4 آلاف رجل يقودهم الجنرال الغرناطي الإسباني جودر باشا. اصطحب هذا الأخير معه ألفي أندلسي إسباني من مستعملي السلاح الناري “القرابينة”. توجد في الأكاديمية التاريخية الإسبانية 3 مخطوطات تروي تفاصيل هذه السرية. حوالي 40 بالمئة من هذا الجيش قضى في الطريق الصحراوية. الباقون من الجيش تزودوا في النيجر و استطاعوا تحقيق هدف سريتهم بفضل تفوق سلاحهم الناري.
(15) “تاريخ المسلمين في إسبانيا” ليفي بروفنسال. الجزء الأول, ص 9.
(16) “القوة البحرية للوندال و لجنسريك منحها لهم البحارة الأندلسيون” إميل غوتيي في كتابه “جنسريك”. ص 109.
(17) “أخبار مجموعة” لمؤلف مجهول.
(18) “جنسريك” إميل غوتيي. ص 23.
(19) “جنسريك” إميل غوتيي. ص 58.
(20) التشريع القانوني القوطي Fuero Juzgo. القانون الأول, البند الأول, الكتاب الثالث : “…بإمكان المرأة الرومانية الزواج من قوطي, كما بإمكان المرأة القوطية الزواج من رجل روماني…و بإمكان الرجل الحر الزواج بالمرأة الحرة…”.
“شهدت السنوات ما بين586 و 601 لأول مرة سن قوانين ربطت بين كل ساكنة إسبانيا, القوط و الرومان؛ رغم أن التوحيد الكامل للنظام العدلي لم يكتمل إلا بعد نصف قرن من هذا التاريخ. فترة حكم الملك ريكاريدو شهدت أيضا اندثار اللباس و الأسلوب الفني القوطي و تعويضها بالأزياء و الفنون الرومانية”. “القوط في إسبانيا” ص 356.
رغم أن القوانين الموَحِدة للمجتمع الإسباني نُقحت و جُدِدت من طرف ملوك قوط لاحقين, إلا أن الملك ريسسفنتو يبقى هو من سن القانون التشريعي القوطي Fuero Juzgo. النص السابق درسه و نشره مجموعة من المؤلفين الإسبان ما يُظهرُ تفوقهُ الواضح على معاصريه كما أقر بذلك المؤلفون المعاصرون.

المصدر : كتاب Ignacio Olague إيغناسيو أولاغي, La revolucion islamica en occidente (الثورة الإسلامية في الغرب).منشورات مؤسسة خوان مارش. وادي الرملة. Fundacion Juan March. Guadarrama / هشام زليم / موقع إسبانيا بالعربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *