لهذه الأسباب يؤيد ترامب المغرب ضد إسبانيا في أزمة سبتة
تزداد أهمية العلاقات بين الولايات المتحدة والمغرب في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فيما تكشف التطورات الأخيرة عن شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية التي تجعل الرباط شريكاً مهماً لواشنطن.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة “20 مينوتيس“ الإسبانية، فإن الدعم الأمريكي للمغرب لا يرتبط بعامل واحد، بل يستند إلى مجموعة من المصالح، من التعاون العسكري والاستخباراتي إلى الفوسفات والأسمدة، وصولاً إلى الموقف الأمريكي من قضية الصحراء الغربية.
أزمة مضيق هرمز تعزز أهمية المغرب
أعادت أزمة مضيق هرمز، إبراز أهمية المغرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال إمدادات الأسمدة. فالمغرب يمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفات، وهي مادة أساسية في صناعة الأسمدة، بينما أدى اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى إرباك سلاسل الإمداد العالمية، وزيادة أهمية البحث عن مصادر بديلة لهذه المواد.
وفي هذا السياق، علّقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤقتاً جزءاً من الرسوم الجمركية المفروضة على بعض الأسمدة الفوسفاتية القادمة من المغرب، في محاولة لتأمين احتياجات القطاع الزراعي الأمريكي.

المغرب قوة عالمية في الفوسفات
يمتلك المغرب واحدة من أكبر ثروات الفوسفات في العالم، وتؤدي المجمع الشريف للفوسفات دوراً رئيسياً في إنتاج هذه المادة وتسويقها في الأسواق الدولية. وتمنح هذه الموارد المغرب أهمية اقتصادية متزايدة، خصوصاً في ظل المخاوف العالمية المتعلقة بالأمن الغذائي واستقرار سلاسل توريد الأسمدة.
وتشير الصحيفة الإسبانية إلى أن المجمع الشريف للفوسفات تمكن، على الرغم من اضطرابات الأسواق، من طرح سندات دولية هجينة بقيمة 1.5 مليار دولار، في مؤشر على القوة المالية التي تتمتع بها المجموعة.
تحالف عسكري يمتد لأكثر من عقدين
لكن المصالح الاقتصادية ليست العامل الوحيد وراء التقارب بين الولايات المتحدة والمغرب، فمنذ عام 2004، يتمتع المغرب بوضع حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي، وهو وضع يتيح له الاستفادة من برامج متقدمة للتعاون العسكري والتدريب والتسليح.
ويُعد تمرين الأسد الأفريقي لعام 2026 أحد أبرز مظاهر هذا التعاون العسكري. فقد شارك في المناورات، التي جرت في مارس الماضي، أكثر من 5600 عسكري من 40 دولة، بينما جرى الجزء الأكبر من العمليات داخل الأراضي المغربية.
وتوفر هذه الشراكة لواشنطن شريكاً عسكرياً وأمنياً مهماً في شمال أفريقيا، خصوصاً في مجالات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري.

واشنطن وقضية الصحراء الغربية
تمثل قضية الصحراء الغربية أحد أبرز أوجه التقارب بين واشنطن والرباط. وكانت الولايات المتحدة قد اعترفت رسمياً عام 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو موقف يختلف عن مواقف العديد من الدول التي لا تعترف بالسيادة المغربية على الإقليم المتنازع عليه.
ولم يتوقف الدعم الأمريكي عند الجانب الدبلوماسي، إذ وافقت وكالة التجارة والتنمية الأمريكية على تمويل بقيمة 5.7 ملايين دولار لإجراء دراسات جدوى مرتبطة بمشروع مستقبلي لإنتاج الأمونيا في الصحراء الغربية، تبلغ قيمته الاستثمارية نحو 4.5 مليارات دولار.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأنه يمثل، وفق التقرير الإسباني، أول تمويل أمريكي لمشروع خاص في المنطقة المتنازع عليها منذ اعتراف الولايات المتحدة بالموقف المغربي.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى إسبانيا؟
تجد إسبانيا نفسها أمام معادلة جيوسياسية دقيقة، فمدريد، على الرغم من دعمها منذ عام 2022 لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً «أكثر جدية وواقعية ومصداقية» لحل قضية الصحراء الغربية، لم تصل إلى حد الاعتراف القانوني بالسيادة المغربية على الإقليم. أما الولايات المتحدة فقد تجاوزت هذه المرحلة، وربطت موقفها السياسي بتعاون اقتصادي واستثمارات على أرض الواقع.
وتزداد حساسية الملف بالنسبة إلى إسبانيا بسبب موقع المغرب في قضايا الهجرة والأمن في مضيق جبل طارق، فضلاً عن استمرار الخلاف حول وضع مدينتي سبتة ومليلية.

سبتة ومليلية في قلب الحسابات
وعلى الرغم من التحالف المتنامي بين مدريد والرباط، لا تزال قضية سبتة ومليلية من الملفات الحساسة في العلاقات الثنائية. وشهدت الحدود خلال السنوات الماضية أزمات مرتبطة بمحاولات دخول جماعي إلى سبتة، بينما واصلت الرباط التأكيد على موقفها بشأن المدينتين، وهو ما ترفضه الحكومة الإسبانية. وفي الوقت نفسه، تفرض المصالح المشتركة على البلدين الحفاظ على التعاون، خصوصاً في مجالات الأمن والهجرة والاقتصاد.
المغرب شريك استراتيجي لواشنطن
تكشف التطورات الأخيرة أن العلاقة بين الولايات المتحدة والمغرب، أصبحت تتجاوز التحالف التقليدي، لتشمل ملفات استراتيجية مرتبطة بالأمن والطاقة والزراعة والأسمدة والاستثمارات.
ففي وقت تواجه فيه الولايات المتحدة اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، يوفر المغرب مورداً مهماً للفوسفات والأسمدة، كما يمنحه موقعه الجغرافي أهمية استراتيجية بالنسبة إلى واشنطن في شمال أفريقيا وقرب مضيق جبل طارق.
ومن هنا، يبدو أن الولايات المتحدة، تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً يمكن أن يخدم مصالحها في ملفات متعددة في الوقت نفسه، تشمل الأمن ومكافحة الإرهاب والتعاون العسكري والفوسفات والأسمدة والاستثمار، إضافة إلى السياسة الأمريكية تجاه قضية الصحراء الغربية.
إسبانيا بالعربي.

