هذا ما قاله ترامب بشأن أزمة الهجرة الجماعية إلى مدينة سبتة
تصاعدت حدة التوتر السياسي المتبادل بين واشنطن ومدريد على خلفية أزمة الهجرة غير النظامية العارمة التي شهدتها مدينة سبتة، حيث وجه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وعدد من أبرز أعضاء إدارته، انتقادات قاسية ولاذعة للحكومة الإسبانية، وجاءت هذه التصريحات النارية في وقت عبر فيه نحو 60 ألف شخص الحدود بشكل غير نظامي قادمين من المغرب خلال ساعات الليل والصباح، وفقاً لما أعلنته حكومة المدينة المحلية، في حادثة وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث حجم التدفق البشري المفاجئ.
Durante اجتماع مطول عقده الرئيس الأمريكي مع أعضاء طاقمه الرئاسي في المقר الترفيهي بـ “كامب ديفيد”، أكد ترامب بلهجة حاسمة أن الحكومة الإسبانية الحالية برئاسة بيدرو سانشيز “لا تعرف تماماً ماذا تفعل” في مواجهة ما وصفه حرفياً بـ “الكارثة” و”الغزو البشري”. واعتبر أن ما جرى في إسبانيا يمثل دليلاً دامغاً على النتائج السلبية المترتبة عن تطبيق قوانين هجرة ضعيفة وإدارة سيئة وسياسات يسارية تتسم بالتساهل المفرط. ولم يكتفِ ترامب بانتقاد الوضع الإسباني فحسب، بل استغل المنبر لتحذير الناخبين الأمريكيين من مغبة وصول الحزب الديمقراطي إلى مقاليد الحكم في المستقبل، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم وبكل فخر “الحدود الأكثر أماناً واستقراراً في العالم أجمع”.

انتقادات حادة من ترامب وفانس واتهامات مباشرة لإدارة بايدن السابقة
حرص الرئيس الأمريكي ونائب الرئيس، جي دي فانس، على استغلال هذه الأزمة الأوروبية لتثبيت أركان سردهم السياسي القائم على ضرورة تشديد الحدود ومحاربة الهجرة الجماعية. وقد عبّر نائب الرئيس عن هذا الموقف عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن الصور القادمة من سبتة تشكل تذكيرًا واقعيًا ومؤلمًا بالتداعيات الخطيرة للسياسات العالمية المفتوحة التي تتبناها تيارات اليسار الراديكالي، ومبدياً امتنانه العميق للرئيس ترامب لنجاحه في حماية الحدود الأمريكية من مشاهد الفوضى المماثلة.
من جانب آخر، لم يتردد ترامب في توجيه الاتهامات المباشرة لسلفه الديمقراطي جو بايدن، مبرزاً أن سياساته المتساهلة سمحت بدخول ما يقرب من 25 مليون شخص بطرق غير مشروعة إلى الأراضي الأمريكية. ودعا ترامب كافة المواطنين الأمريكيين إلى استحضار هذه المشاهد والمصورات الحية من إسبانيا حين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الكونغرس النصفية القادمة، محذراً من أن البلاد ستواجه مستقبلاً مظلماً ومماثلاً إذا ما عاد الحزب الديمقراطي إلى السلطة، بل وستكون الأعداد والمستويات أكبر بكثير بما يجعل ما حدث في إسبانيا يبدو وكأنه أمر زهيد ولا يُذكر.
وزارة الخارجية الأمريكية تحمّل حكومة سانشيز المسؤولية وتستثنيها من التضامن
في تطور دبلوماسي لافت، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تضامنها الكامل والعميق مع الشعب الإسباني وكافة الشعوب الأوروبية في مواجهة ما وصفتها بـ “الانتهاك السافر والصارخ للسيادة الوطنية ولحقوق الإنسان”. ورغم هذا الإعلان، أقدمت الوزارة على خطوة دبلوماسية استثنائية تمثلت في إبعاد حكومة بيدرو سانشيز صراحة من دائرة هذا الدعم والتضامن، محمّلة إياها المسؤولية المباشرة والكاملة عن اندلاع هذه الأزمة الخطيرة.
وفي بيان رسمي صريح نُشر وتم تداوله عبر وزير الخارجية ماركو روبيو، اعتبرت الخارجية الأمريكية أن هذا الحادث غير المبرر وغير المقبول يعد ثمرة مباشرة ونتيجة حتمية للجهود الممنهجة والمتعمدة التي تبذل عمداً من قِبل الحكومة الإسبانية بغية تسهيل وتشجيع موجات الهجرة غير النظامية الشاملة نحو القارة الأوروبية. اللافت في البيان أن الإازة الأمريكية تجنبت تماماً ذكر دولة المغرب أو توجيه أي لوم لها، نظراً لكونها حليفاً استراتيجياً ومثالياً للولايات المتحدة. وفي ذات السياق، ألمحت واشنطن إلى أنها تعكف حالياً على دراسة حزمة من الإجراءات والتدابير لحماية مواطنيها داخل البلاد وخارجها، عارضة في الوقت ذاته الدعم العسكري واللوجستي على الحلفاء الأوروبيين الراغبين في تبني سياسات أمنية صارمة مشابهة لمواجهة هذه “التهديدات المحدقة”.
رسائل سياسية موجهة للإسبان وتحذيرات أمنية شديدة اللهجة
لم تتوقف الإدارة الأمريكية عند حدود الانتقاد السياسي التقليدي، بل تعدته لتوجيه رسائل مباشرة وعلنية ومستفزة للمجتمع الإسباني. فقد نشرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية تغريدات وتصريحات رسمية تدعو فيها المواطنين في إسبانيا إلى “أخذ العبرة والدروس” من الأوضاع الراهنة، مشيرة بوضوح إلى أنه لو كان لإسبانيا رئيس قوي وحازم بمواصفات دونالد ترامب لما وجدت نفسها تعاني من مثل هذه المشكلات الكارثية والمستعصية، داعية الناخبين الإسبان إلى استحضار هذا المعيار في قادم الاستحقاقات.
على المستوى القنصلي والميداني، سارعت السفارة الأمريكية في مدريد إلى إصدار تحذير أمني عاجل ورفيع المستوى، أوصت فيه كافة الرعاة والمسافرين الأمريكيين بالامتناع التام عن السفر أو التوجه إلى مدينتي سبتة وميليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية في شمال إفريقيا. وأكدت البعثة الدبلوماسية أن الأوضاع الميدانية هناك تتسم بالسيولة الشديدة ومن المرجح أن تتطور إلى سيناريوهات بالغة الخطورة ولا يمكن التنبؤ بطبيعتها، حاثة رعاياها على ضرورة الالتزام الحرفي بالتعليمات الصادرة عن السلطات الأمنية والمحلية لحين استقرار الأوضاع تماماً.

احتواء الأزمة على الأرض وجهود إعادة المهاجرين بالتنسيق المشترك
على الجانب الميداني البحت، بعيداً عن السجالات السياسية الحادة والتوتر الدبلوماسي العابر للمحيط، واصلت الأجهزة الأمنية والسلطات الرسمية في كل من إسبانيا والمغرب تنسيق جهودها المكثفة لاحتواء تداعيات التدفق البشري وإدارته بحكمة وفق الأطر القانونية والإنسانية المعمول بها.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية في أحدث تقاريرها وإحصائياتها الرسمية أن الجهود المشتركة أثمرت عن نجاح باهر في إعادة الغالبية العظمى من المهاجرين الذين تسللوا بطرق غير نظامية؛ حيث تم ترحيل وإعادة ما يزيد عن 48,500 شخص من إجمالي نحو 50,000 وافد تم رصدهم خلال ذروة الأزمة، وذلك باتجاه الأراضي المغربية. وتسعى مدريد من خلال هذه الخطوات السريعة إلى إعادة ضبط الحدود وفرض سيادة القانون وإشاعة الاستقرار في المدينة، رغم استمرار إلقاء هذه الأزمة بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي الأوروبي والدولي برمته وسط مطالبات مستمرة بضرورة إيجاد حلول جذرية لمعضلة الهجرة غير النظامية التي أصبحت ورقة تجاذب كبرى في الانتخابات الداخلية لدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
إسبانيا بالعربي.

