أغرب من الخيال: مهاجر احتال بـ62 هوية وحصد مليون يورو في إسبانيا؟
يواجه السنغالي عمر نداي اتهامات جديدة بالاحتيال في كندا، بعدما يُشتبه في استيلائه على نحو 180 ألف دولار كندي من المساعدات الاجتماعية التي تقدمها مقاطعة كيبيك. وبحسب التحقيقات، استخدم المتهم جوازات سفر وصورًا تعود لأشخاص آخرين، كما أنشأ هويات وملفات مزيفة للحصول على المساعدات.
وتقرر إبقاء عمر نداي، البالغ من العمر 45 عامًا، في السجن بعد توقيفه في يوليو الماضي، إذ رأت القاضية أن خطر فراره مرتفع للغاية. وتأتي القضية الجديدة بعد سنوات من تورطه في عملية احتيال واسعة النطاق في إسبانيا، حيث تمكن من الحصول على أكثر من مليون يورو من المساعدات الاجتماعية والسكنية باستخدام عشرات الهويات المزيفة.

حياة فاخرة أثارت الشبهات
كان عمر نداي، كلما عاد إلى بلده السنغال، ينفق الأموال بسخاء ودون حساب. فقد كان يرتاد المطاعم الفاخرة، ويستأجر السيارات مرتفعة الثمن، ويرتدي ملابس وأسعارها لم تكن لتتناسب مع وضعه المالي قبل هجرته إلى إسبانيا.
وكان نداي قد وصل إلى مدينة بلباو الإسبانية في بداية القرن الحالي، وأخبر عائلته وأصدقاءه في السنغال بأن أوضاعه المالية جيدة وأنه حقق نجاحًا في إسبانيا. وكان يقول لهم إنه قام ببعض الاستثمارات الجيدة التي حققت له عائدات مالية كبيرة.
لكن الحقيقة، بحسب التحقيقات، كانت مختلفة تمامًا. فقد كان يحصل من حكومة إقليم الباسك على مبالغ شهرية كبيرة من خلال برامج المساعدات الاجتماعية والسكنية، ولم يكن يحصل عليها باسمه الحقيقي فقط، بل عبر عدد كبير من الهويات المزيفة.
62 هوية مزيفة وأكثر من مليون يورو
كشفت التحقيقات أن عمر نداي أنشأ ما يصل إلى 62 هوية مزيفة بهدف الاستفادة من برامج المساعدات. واستغل ما وصفه التحقيق بأنه ضعف في آليات الرقابة الإدارية للحصول على الأموال على مدى سنوات.
وبحسب المعطيات الواردة في القضية، تمكن نداي من الاستيلاء على أكثر من 1.09 مليون يورو من المال العام الإسباني. وعندما ألقت السلطات القبض عليه في نهاية مارس 2022، عثرت بحوزته على 23 جواز سفر، كما تمت مصادرة وثائق أخرى خلال تفتيش العقار الذي كان يقيم فيه.
وكانت إحدى الطرق التي استخدمها للحصول على المساعدات تتمثل في إنشاء ملفات لأشخاص غير حقيقيين أو استخدام هويات أشخاص حقيقيين، ثم تقديم طلبات للحصول على المساعدات باسمهم.

اعتقال في إسبانيا ثم اختفاء
في عام 2022، وبعد توقيف عمر نداي في إسبانيا، قرر القضاء عدم إيداعه السجن. وتم سحب جواز سفره، كما وُجهت إليه تهم تتعلق بالاحتيال والتزوير في الوثائق.
وخلال بعض الأشهر، كان يحصل على مبالغ وصلت إلى 10 آلاف يورو شهريًا. لكن نداي اختفى بعد ذلك، ولم يعد موجودًا أمام السلطات الإسبانية لمتابعة القضية بالشكل المتوقع.
ولم يكن أحد يتوقع أن ينتهي به الأمر في الطرف الآخر من العالم، وأن يعاود النشاط نفسه مرة أخرى، ولكن هذه المرة في كندا، حيث يواجه اتهامات جديدة تتعلق بالاحتيال على نظام المساعدات الاجتماعية.
احتيال جديد في كندا
كشفت الصحافة الكندية القضية الأخيرة المتعلقة بعمر نداي، الذي أصبح موجودًا في كندا بصفته طالب لجوء. وهناك اتُهم بالاحتيال على وزارة التوظيف والتضامن الاجتماعي في مقاطعة كيبيك، والاستيلاء على نحو 180 ألف دولار كندي من المساعدات، أي ما يعادل تقريبًا 155 ألف يورو.
وفي نهاية يوليو الماضي، قررت القاضية سونيا ماسترو ماتيو، من محكمة كيبيك، أن يبقى نداي رهن الاحتجاز إلى حين محاكمته. وفي حال إدانته، قد يواجه عقوبة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات من السجن.
وأوضحت المحكمة أن المتهم كان مستعدًا لدفع كفالة من أجل إطلاق سراحه، لكن القاضية رفضت ذلك بسبب اعتقادها أن احتمال فراره مرتفع.

جواز سفر كونغولي يحمل صورة نداي
عند توقيف عمر نداي في بداية يوليو من هذا العام، كان يحمل جواز سفر كونغوليًا باسم شخص آخر. إلا أن الصورة الموجودة في الجواز لم تكن صورة صاحب الاسم، بل كانت صورة نداي نفسه، وكانت تبدو وكأنها ملصقة أو موضوعة فوق الصورة الأصلية.
وخلال تفتيش منزله، عثرت السلطات كذلك على جواز سفر آخر يحمل اسم رجل مختلف، لكنه كان يحتوي أيضًا على صورة عمر نداي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن استخدام وثائق مزورة وهويات أشخاص آخرين كان جزءًا أساسيًا من الأسلوب الذي اتبعه المتهم للحصول على المساعدات.
55 طلبًا مزيفًا للحصول على المساعدات
وفقًا للنيابة العامة الكندية، قدم عمر نداي 55 طلبًا احتياليًا للحصول على مساعدات مخصصة للأشخاص الذين يمرون بظروف مالية صعبة.
ومن بين هذه الطلبات، تمت الموافقة على 37 طلبًا، بحسب ما أوردته النيابة. وقال المدعون إن نداي تمكن من تنفيذ هذه العملية من خلال انتحال هويات أشخاص حقيقيين، إلى جانب إنشاء ملفات شخصية مزيفة.
لكن محامي الدفاع قدم رواية مختلفة أمام المحكمة، مؤكدًا أن شخصًا آخر ربما يكون هو من قدم الطلبات الـ55 المزيفة، مستخدمًا هوية عمر نداي نفسه.
وضعه كطالب لجوء في كندا
بحسب صحيفة لا بريس الكندية، التي كشفت تفاصيل التحقيق المتعلق بعمر نداي في كندا، فإن المتهم يحمل صفة طالب لجوء في البلاد.
وكان ملفه قد وصل إلى مرحلة تقييم المخاطر التي تسبق عملية الترحيل. ويدعي نداي أنه يتعرض للاضطهاد في السنغال بسبب ما يقول إنها ميوله الجنسية، رغم أنه متزوج ولديه خمسة أبناء في بلده الأصلي.
كما تشير المعلومات الواردة في القضية إلى أن كندا رفضت في السابق ثلاث مرات طلبات التأشيرة أو اللجوء التي تقدم بها عمر نداي، وذلك خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025.
وبذلك وصل نداي إلى كندا بعد فترة قصيرة نسبيًا من توقيفه في إسبانيا ووضعه تحت الملاحقة القضائية، قبل أن يختفي من السلطات الإسبانية.
احتيال استمر 14 عامًا في إسبانيا
كانت عملية الاحتيال التي نفذها عمر نداي في إسبانيا مستمرة لمدة 14 عامًا. فمنذ عام 2008، عندما حصل على أول مساعدة، وحتى مارس 2022، تمكن من الحصول على إجمالي بلغ نحو 1.09 مليون يورو.
وبحسب الأرقام الواردة في التحقيق، كان متوسط ما يحصل عليه سنويًا يقارب 78 ألف يورو، وهو مبلغ يفوق بكثير متوسط دخل العامل الإسباني في ذلك الوقت.
وللمقارنة، أشار التقرير إلى أن متوسط الراتب الإجمالي الشهري في إسبانيا عام 2020، وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء، بلغ 2038 يورو، أي ما يزيد قليلًا على 24 ألف يورو سنويًا.
ديون ومشكلات مع أصحاب العقارات
ورغم تدفق الأموال إليه من برامج المساعدات، لم يكن عمر نداي ملتزمًا حتى بدفع بعض التزاماته الأساسية. فقد تراكمت عليه غرامات مرورية عديدة، ولا يزال أثر بعضها ظاهرًا في النشرات الرسمية.
كما واجه مشكلات مع أصحاب العقارات التي استأجرها بهدف تسجيل نفسه، ثم تسجيل الأشخاص الذين استخدم هوياتهم المزيفة للحصول على المساعدات.
واضطر نداي إلى إخلاء عقارين استأجرهما في مدينة بلباو، كما صدر ضده حكمان قضائيان في عامي 2010 و2015 يلزمانه بدفع متأخرات مالية لأصحاب العقارات بلغت 1262 يورو و8954 يورو على التوالي.
عشرات الحسابات البنكية وجوازات سفر مستعارة
من أجل تنفيذ مخططه، فتح عمر نداي نحو 30 حسابًا مصرفيًا في مؤسسات مالية مختلفة، وكان معظمها لدى بنك لا كايشا.
كما تمكن من الحصول على بعض جوازات السفر التي استخدمها في عملية الاحتيال من أشخاص سنغاليين آخرين. وكان بعض هؤلاء الأشخاص من مدينة كاولاك، الواقعة في المناطق الداخلية من السنغال، والتي تبعد نحو ساعتين ونصف بالسيارة عن العاصمة داكار.
وبحسب التحقيق، كان نداي يقدم لهم مقابلًا أو منفعة مادية لقاء مساعدته في الحصول على هذه الوثائق.
ملايين من المال العام عبر مساعدات السكن والدخل
من أصل أكثر من مليون يورو حصل عليها بطريقة احتيالية من الأموال العامة الإسبانية، جاء نحو 780 ألف يورو من برنامج «دخل ضمان الدخل» (RGI) الذي تمنحه هيئة التوظيف في إقليم الباسك، لانبيدي.
أما المبلغ المتبقي، والبالغ نحو 311 ألف يورو، فقد حصل عليه من برامج المساعدات المخصصة للسكن.
وكانت أول مساعدة حصل عليها نداي في أبريل 2008، بينما كانت آخر مساعدة، والتي مُنحت له عبر إحدى الهويات المزيفة التي أنشأها، في سبتمبر 2021.

من بلباو إلى كندا
بعد سنوات طويلة من الاستفادة من نظام المساعدات في إسبانيا، عاد المتهم إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة على بعد أكثر من 5 آلاف كيلومتر من بلباو.
ففي كندا، يواجه اتهامات بالاحتيال والتزوير واستخدام وثائق مزيفة، فيما يبقى خلف القضبان بانتظار محاكمته. وتعتقد السلطات أن خطر فراره مرتفع، وهو ما دفع القاضية إلى رفض الإفراج عنه بكفالة.
وبينما تتواصل الإجراءات القضائية في كندا، قد يواجه نداي أيضًا تداعيات قضيته القديمة في إسبانيا. فبعد فراره عقب إطلاق سراحه المشروط، أصبح مطلوبًا لمواجهة اتهامات مرتبطة بواحدة من أكبر عمليات الاحتيال على المساعدات الاجتماعية التي شهدها إقليم الباسك.
وهكذا، يبدو أن قصة عمر نداي لم تنتهِ بخروجه من إسبانيا، بل استمرت في بلد آخر وبطريقة مشابهة، مع استخدام هويات ووثائق مزيفة للحصول على أموال من برامج المساعدات الحكومية.
إسبانيا بالعربي.

