إسبانيا توقع صفقة صواريخ ضخمة: لماذا في هذا التوقيت بالذات؟
قد يفتح البرنامج الصاروخي الضخم الذي تستعد وزارة الدفاع الإسبانية لإطلاقه، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 6 مليارات يورو، الطريق أمام دخول صناعي أوسع لشركة MBDA الأوروبية إلى إسبانيا، في وقت تسعى فيه مدريد إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع قاعدة الصناعات العسكرية الوطنية.
وتدرس وزارة الدفاع الإسبانية جمع أربعة برامج صاروخية ضمن خطة خاصة للتحديث العسكري، تشمل صواريخ TAURUS بعيدة المدى، وNSM المضادة للسفن، ونظاماً جديداً ليحل محل منظومة Hawk للدفاع الجوي، إضافة إلى برنامج HYDEF لاعتراض التهديدات فرط الصوتية. ووفق المعطيات المتاحة، قد يصل الإنفاق الإجمالي للبرنامج إلى نحو 6 مليارات يورو على مدى عدة سنوات، فيما بدأت وزارة الصناعة بالفعل إجراءات تمويل لبعض مكوناته.

MBDA تترقب فرصة صناعية جديدة في إسبانيا
تمثل هذه الخطة فرصة مهمة لشركة MBDA، إحدى أكبر شركات الصناعات الصاروخية في أوروبا، والمملوكة مناصفة تقريباً لكل من Airbus وBAE Systems بنسبة 37.5% لكل منهما، بينما تملك Leonardo نسبة 25%. وتعمل المجموعة في تطوير وتصنيع أنظمة صاروخية متقدمة للقوات البرية والبحرية والجوية.
وتؤكد MBDA أنها تشهد مرحلة توسع صناعي كبيرة بسبب ارتفاع الطلب الأوروبي على الأسلحة وأنظمة الدفاع. فقد أعلنت الشركة أن إنتاجها من الصواريخ تضاعف بين عامي 2023 ونهاية 2025، مع خطة لزيادة الإنتاج بنسبة 40% إضافية خلال عام 2026. كما رفعت استثماراتها المخططة في أوروبا إلى 5 مليارات يورو بين 2026 و2030، مع توقع توظيف 2,800 شخص خلال عام 2026 وحده.
وتملك المجموعة بالفعل مواقع صناعية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، فيما افتتحت في سبتمبر 2026 أول منشأة صناعية لها في بولندا. وفي المقابل، يتركز حضور MBDA في إسبانيا أساساً في أنشطة الإدارة والهندسة والبحث والتطوير، وهو ما يجعل إنشاء قدرة تصنيع محلية تطوراً مهماً بالنسبة للصناعة الدفاعية الإسبانية.
لماذا تحتاج MBDA إلى عقود قبل بناء مصنع؟
يعتمد التوسع الصناعي لشركات الصواريخ إلى حد كبير على وجود طلبات عسكرية طويلة الأمد، لأن خطوط الإنتاج لا تُنشأ عادةً اعتماداً على توقعات السوق وحدها.
وهنا تكتسب الخطة الإسبانية أهمية خاصة. فإذا تحولت البرامج الأربعة من مرحلة التخطيط والتمويل إلى عقود فعلية، فإن حجم الطلب المتوقع قد يشجع الشركات الأوروبية الكبرى على إنشاء أو توسيع قدرات إنتاجية داخل إسبانيا، سواء بصورة مباشرة أو من خلال شراكات مع شركات إسبانية.
ولا يعني ذلك أن إنشاء مصنع لـMBDA في إسبانيا قد تقرر بالفعل. فالمعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى فرصة صناعية محتملة مرتبطة بنتائج البرامج المقبلة، وليس إلى قرار معلن بإنشاء منشأة إنتاج جديدة.
TAURUS NEO في قلب الحسابات الصناعية
يكتسب برنامج TAURUS NEO أهمية خاصة في هذا السياق. فالصاروخ يمثل الجيل المطور من منظومة TAURUS، التي تتمتع بمدى يتجاوز 500 كيلومتر وقدرات مصممة لاختراق الدفاعات الجوية واستهداف منشآت محمية. وتشارك MBDA وSaab في شركة TAURUS Systems GmbH المشتركة التي تتولى البرنامج.
وفي ديسمبر 2025، وقعت شركة TAURUS Systems عقداً مع مكتب المشتريات التابع للقوات المسلحة الألمانية للتحضير لخط إنتاج متسلسل لصاروخ TAURUS NEO، مع تخطيط MBDA لإنتاج كميات كبيرة منه في ألمانيا.
وكان وزير الدفاع الألماني قد أعلن في أغسطس 2025 أن إسبانيا تعتزم المشاركة في اقتناء الجيل الجديد من صواريخ TAURUS، وهو ما يعزز أهمية البرنامج بالنسبة إلى مدريد. إلا أن هذا لا يعني أن إنتاج TAURUS NEO في إسبانيا قد تقرر، إذ إن الإنتاج الكبير المخطط له حالياً مرتبط بالمنشآت الألمانية.

مصدر الصورة: وزارة الدفاع
أربعة برامج صاروخية ضمن خطة واحدة
TAURUS.. قدرة هجومية بعيدة المدى
يمثل TAURUS أحد أبرز مكونات الخطة الإسبانية. وهو صاروخ جو-أرض بعيد المدى يُطلق من الطائرات، وصُمم لضرب أهداف عالية القيمة ومحصنة، مع قدرة على اختراق دفاعات جوية كثيفة.
وتشغل إسبانيا هذا النوع من الصواريخ منذ سنوات بعد دمجه مع مقاتلاتها، فيما تستهدف الخطة الجديدة تعزيز هذه القدرة عبر اقتناء الجيل المقبل وتحديث القدرات بعيدة المدى.
NSM.. تعزيز الدفاع البحري
أما Naval Strike Missile – NSM فهو صاروخ مضاد للسفن وقادر أيضاً على تنفيذ هجمات ضد أهداف برية. ويأتي ضمن توجه إسبانيا لتعزيز قدرات قواتها البحرية واستبدال أنظمة أقدم بصواريخ حديثة بعيدة المدى.
ويُعد البرنامج مهماً أيضاً للصناعة الإسبانية، نظراً إلى إمكانية مشاركة شركات محلية في سلسلة التوريد والإنتاج والدعم اللوجستي.
بديل Hawk.. منافسة بين ثلاثة أنظمة
وتدرس وزارة الدفاع الإسبانية ثلاثة خيارات رئيسية لاستبدال منظومة Hawk للدفاع الجوي متوسط المدى، وهي IRIS-T SLM الألمانية، وNASAMS ER، وCAMM-ER.
وبالتالي، فإن القرار النهائي لن يكون عسكرياً فقط، بل يمكن أن تكون له انعكاسات صناعية كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بنسبة التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا ومشاركة الشركات الإسبانية في البرنامج.
HYDEF.. اعتراض التهديدات فرط الصوتية
أما البرنامج الرابع، HYDEF – European Hypersonic Defence Interceptor، فيتعلق بتطوير منظومة أوروبية قادرة على مواجهة التهديدات فرط الصوتية، بما فيها بعض الصواريخ الباليستية والمركبات الانزلاقية فرط الصوتية.
ويشارك في البرنامج ائتلاف أوروبي يضم شركات ومؤسسات بحثية من عدة دول، مع حضور مهم للصناعة الإسبانية، ما يجعله من المشاريع التي يمكن أن تعزز الخبرات المحلية في مجالات التوجيه والملاحة والتحكم والتقنيات المتقدمة.
توسع MBDA يتزامن مع إعادة تسليح أوروبا
تأتي الفرصة الإسبانية في وقت تشهد فيه MBDA توسعاً غير مسبوق في قدراتها الإنتاجية. فقد أعلنت الشركة أن إيراداتها في 2025 بلغت 5.8 مليارات يورو، بينما وصلت الطلبات الجديدة إلى 13.2 مليار يورو، وارتفع إجمالي دفتر الطلبات إلى 44.4 مليار يورو.
كما أكدت المجموعة أنها ضاعفت إنتاج الصواريخ بين 2023 و2025، وتعتزم رفع الإنتاج بنسبة 40% إضافية خلال 2026، بالتوازي مع استثمار 5 مليارات يورو في أوروبا بين 2026 و2030. وتشمل خطتها التوسعية إنشاء قدرات إنتاجية جديدة، من بينها موقع جديد بالقرب من أورليان في فرنسا، يُتوقع أن يدخل الخدمة في 2027.
وفي سبتمبر 2026، عززت الشركة وجودها الصناعي في بولندا بافتتاح أول موقع صناعي لها هناك، في إطار مشاركتها في برنامج الدفاع الجوي قصير المدى PILICA+.
قيادة جديدة لـMBDA بعلاقات قوية مع إسبانيا
ويأتي هذا التحول في وقت تستعد فيه MBDA لتغيير قيادتها. فقد أعلنت الشركة في يوليو 2026 تعيين Jean-Brice Dumont رئيساً تنفيذياً جديداً اعتباراً من 1 نوفمبر، خلفاً لـÉric Béranger.
وتكتسب الخطوة أهمية بالنسبة إلى إسبانيا، لأن Dumont أمضى سنوات في قيادة أنشطة الأنظمة الجوية العسكرية والقوة الجوية في Airbus Defence and Space، وكان مقره في إسبانيا. وتقول MBDA إن الرئيس التنفيذي الجديد يتمتع بخبرة تزيد على 14 عاماً في المناصب التنفيذية داخل مجموعة Airbus.
لكن وجود قيادة جديدة ذات ارتباط مهني قوي بإسبانيا لا يعني تلقائياً اتخاذ قرار بإنشاء مصنع في البلاد؛ فالقرار سيظل مرتبطاً بالعقود التي ستبرمها الحكومة وبطبيعة المشاركة الصناعية التي ستفرضها البرامج الدفاعية المقبلة.
ماذا يعني ذلك للصناعة وفرص العمل في إسبانيا؟
إذا تحولت خطة الصواريخ البالغة 6 مليارات يورو إلى عقود فعلية، فقد تكون آثارها أوسع من مجرد شراء أسلحة للقوات المسلحة الإسبانية. فبرامج بهذا الحجم يمكن أن تولد طلباً على شركات هندسية وتقنية ومكونات إلكترونية وأنظمة توجيه وبرمجيات وصيانة واختبارات ودعم لوجستي.
كما يمكن أن تستفيد الشركات الإسبانية من الشراكات مع الشركات الأوروبية الكبرى، خصوصاً إذا ربطت الحكومة المشتريات الدفاعية بمتطلبات المشاركة الصناعية ونقل التكنولوجيا.
وتُظهر خطط MBDA الأوروبية حجم الإمكانات المتاحة من ناحية التوظيف؛ فقد أعلنت المجموعة عن 2,800 وظيفة جديدة في 2026 على مستوى المجموعة. لكن لا توجد حتى الآن أرقام رسمية تحدد عدد الوظائف التي يمكن أن تنتج تحديداً عن أي منشأة مستقبلية لـMBDA في إسبانيا.

عقد مؤكد لـMBDA مع البحرية الإسبانية
وفي مؤشر آخر على توسع التعاون بين مدريد والشركة، أبرمت البحرية الإسبانية في يوليو 2026 اتفاقاً إطارياً مع MBDA España لتوريد ثلاثة أنظمة دفاع مضاد للصواريخ من نوع SIMBAD-RC، بقيمة بلغت 27.6664 مليون يورو، وفق ما نشرته الجريدة الرسمية الإسبانية.
ويشكل هذا العقد أول اتفاق مباشر من هذا النوع بين MBDA والبحرية الإسبانية، وهو ما يؤكد وجود طلب فعلي على أنظمة الشركة داخل إسبانيا، وإن كان لا يمثل بحد ذاته قراراً بإنشاء مصنع.
الخلاصة
يمكن قراءة هذه الصفقة، التي يطرحها الخبر، أنها تفتح الباب أمام حضور صناعي لعملاق الصواريخ الأوروبي في إسبانيا، ضمن الاستعداد لبيئة أمنية تتداخل فيها التهديدات الهجينة واحتمالات المواجهة العسكرية المباشرة. فالتهديدات الهجينة تجمع بين أدوات عسكرية وغير عسكرية، مثل الهجمات السيبرانية والتضليل والضغط الاقتصادي، وفق حلف شمال الأطلسي. وفي هذا السياق، قد يسهم تعزيز صناعة الصواريخ محلياً في دعم الردع وضمان الإمدادات عند الأزمات، باعتباره جزءاً من استعداد أوسع لحماية البلاد. لكن هذا الربط تحليل للسياق الأمني، ولا يثبت أن الصفقة موجهة ضد دولة بعينها أو أن إسبانيا تتوقع حرباً وشيكة.
إسبانيا بالعربي.

