مضيق هرمز.. كيف تحولت بوابة الخليج إلى ساحة للصراع الدولي؟
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي بين إيران وسلطنة عُمان، تعبره ناقلات النفط والغاز في طريقها من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية.
في خضم الحرب المستمرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تحول هذا الممر البحري الضيق إلى واحدة من أخطر نقاط الصراع في العالم، وأصبح تأثيره يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليصل إلى الصين وروسيا وأوروبا، بل وحتى فنزويلا.
فالمعركة حول هرمز ليست معركة على الملاحة فقط، وإنما صراع على النفط والغاز، وعلى طرق التجارة، وعلى النفوذ الاقتصادي، وعلى شكل النظام الدولي الذي قد يتبلور بعد انتهاء الحرب.
هرمز.. شريان الطاقة الذي دخل الحرب
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب والمحيط الهندي.
وتكمن خطورته في أن جزءًا ضخمًا من صادرات الطاقة العالمية يمر عبره. وقبل اندلاع الحرب، كان يعبر المضيق نحو 125 سفينة تجارية يوميًا في المتوسط، بينما انخفضت حركة السفن خلال الأزمة الحالية إلى مستويات شديدة الانخفاض.
وبحسب أحدث بيانات الملاحة، لم تعبر خلال عطلة نهاية الأسبوع سوى أربع سفن خارجة وعشر سفن داخلة، مقابل متوسط بلغ 14 عبورًا يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة. وكانت مستويات ما قبل الحرب تقترب من 125 سفينة تجارية يوميًا.
وهذا الانخفاض ليس مجرد رقم في سجلات الملاحة؛ فهو يعكس حجم الخوف الذي أصبح يحيط بالسفن التجارية وناقلات النفط.
إيران تستخدم هرمز كورقة ضغط
بالنسبة إلى إيران، يمثل المضيق واحدة من أهم أوراق القوة التي تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان إغلاق كامل للممر حتى تؤثر في الأسواق. مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية وتعرض السفن للهجمات أو اضطرارها إلى تغيير مساراتها يمكن أن يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي الأسابيع الأخيرة، تراجعت صادرات النفط الإيرانية عبر المضيق بشكل حاد، بينما استمرت المواجهات البحرية والضغوط الأميركية على حركة الملاحة.
لكن استخدام هرمز كسلاح يحمل مخاطرة كبيرة لإيران نفسها؛ فاقتصادها يعتمد أيضًا على تصدير النفط والوصول إلى الأسواق الخارجية.
وهنا تكمن المفارقة: طهران تستطيع الضغط على الاقتصاد العالمي عبر المضيق، لكنها قد تدفع ثمن ذلك إذا استمر تعطيل صادرات الطاقة لفترة طويلة.
أمريكا تريد إعادة فتح المضيق
بالنسبة إلى واشنطن، أصبحت حرية الملاحة في هرمز جزءًا أساسيًا من أهداف الحرب.
وتحاول القوات الأميركية تحدي قدرة إيران على التحكم بالممر، بينما تشير تحليلات عسكرية إلى أن الجهود الأميركية نجحت جزئيًا في إعادة بعض الحركة إلى المسارات الجنوبية للمضيق في مراحل سابقة من الأزمة.
لكن التطورات الأخيرة تظهر أن المشكلة لم تُحل.
فاستمرار انخفاض حركة السفن، إلى جانب الهجمات على ناقلات ومنشآت نفطية، يعني أن الأسواق لا تزال تعتبر هرمز منطقة عالية الخطورة.
من المتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي في مارس/آذار لدول مجلس التعاون الخليجي نتيجة إغلاق مضيق هرمز والصراع في الشرق الأوسط.
إسرائيل.. الطرف الذي أشعل المواجهة الأكبر مع إيران
رغم أن إسرائيل لا تطل على مضيق هرمز، فإن الحرب بينها وبين إيران أصبحت جزءًا مباشرًا من الأزمة.
فالضربات الإسرائيلية ضد إيران، ثم التدخل الأميركي المباشر، وسعت نطاق الصراع من مواجهة عسكرية محدودة إلى حرب لها تداعيات بحرية واقتصادية.
ومع استمرار الحرب، لم تعد الأهداف العسكرية هي وحدها الموجودة في دائرة الخطر؛ إذ أصبحت منشآت الطاقة وطرق الملاحة والسفن التجارية جزءًا من الحسابات الاستراتيجية.
وهذا ما يجعل مضيق هرمز أخطر من مجرد «نقطة اختناق» نفطية؛ إنه أصبح امتدادًا بحريًا للحرب نفسها.
الصين.. الدولة التي لا تستطيع تحمل إغلاق هرمز
إذا كانت إيران ترى في هرمز سلاحًا استراتيجيًا، فإن الصين ترى فيه شريانًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
بكين من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، ولديها علاقات اقتصادية واستراتيجية قوية مع إيران، كما أن الصين تعد من أهم المشترين للنفط الإيراني.
وقد أظهرت الحرب بالفعل أن بكين تحاول الحفاظ على علاقتها مع طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل استمرار اضطراب إمدادات الطاقة.

وهنا تواجه الصين معادلة معقدة: دعم إيران سياسيًا، دون السماح بأن يؤدي الصراع إلى قطع شريان الطاقة الذي تعتمد عليه الصناعة الصينية.
ولهذا اتجهت بعض المصافي الصينية إلى زيادة مشترياتها من النفط الروسي مع تصاعد مخاطر الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، بينما بقيت بكين مهتمة أيضًا بالنفط الإيراني.
روسيا.. المستفيد من ارتفاع النفط أم الخاسر من حرب طويلة؟
روسيا بدورها ليست طرفًا مباشرًا في الحرب، لكنها مرتبطة بإيران بعلاقات استراتيجية، كما أن لديها مصلحة اقتصادية واضحة في أسعار النفط.
ارتفاع أسعار الخام بسبب أزمة هرمز يمنح موسكو فرصة لزيادة إيرادات صادرات الطاقة، وهو ما يمكن أن يساعدها في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية.
لكن روسيا لا تريد بالضرورة استمرار أزمة عالمية مفتوحة.
فارتفاع النفط بشكل مبالغ فيه قد يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي وانخفاض الطلب، كما قد يدفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى تشديد العقوبات والبحث بشكل أسرع عن مصادر بديلة للطاقة.
وفي الوقت نفسه، تستطيع الصين، التي تواجه خطر نقص إمدادات الخليج، تعويض جزء من احتياجاتها عبر زيادة شراء النفط الروسي، وهو ما ظهرت مؤشرات عليه مع تصاعد أزمة الشرق الأوسط.
وهكذا تصبح روسيا لاعبًا غير مباشر في معادلة هرمز:
كلما ارتفع النفط، زادت جاذبية صادراتها؛ وكلما طال أمد الحرب، زادت المخاطر على الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه أيضًا.
أوروبا.. تدفع ثمن حرب لا تخوضها
ربما تكون أوروبا من أكثر الأطراف التي تخشى استمرار أزمة هرمز.
فالقارة لا تحتاج إلى استيراد كل نفطها من الخليج حتى تتضرر. يكفي أن يؤدي اضطراب أحد أكبر طرق إمدادات الطاقة في العالم إلى رفع السعر العالمي للنفط والغاز.
وقد بدأت آثار ذلك تظهر في الأسواق؛ إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 107.81 دولارًا للبرميل في 14 سبتمبر، في ظل تصاعد المخاطر في هرمز والبحر الأحمر.
ارتفاع النفط يعني بالنسبة إلى الأوروبيين:
- بنزين وديزل أكثر تكلفة.
- ارتفاع تكاليف النقل.
- زيادة تكاليف الصناعة.
- ضغوط إضافية على أسعار الغذاء.
- تضخم أعلى.
- صعوبة أكبر أمام البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة.
وبالتالي يمكن أن تتحول الحرب في الخليج إلى مشكلة اقتصادية مباشرة للمواطن الأوروبي.
الخطر الأكبر: هرمز وباب المندب معًا
المشكلة لا تتوقف عند مضيق هرمز.
ففي الجهة الأخرى من المنطقة، تتصاعد المخاطر حول باب المندب والبحر الأحمر، وهو ممر استراتيجي آخر يربط المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه حركة السفن عبر هرمز بشدة، بقيت حركة السفن في باب المندب أقرب إلى مستوياتها الأخيرة، لكن التهديدات المتزايدة هناك رفعت تكاليف الشحن والتأمين.
وإذا تعرض الممران للاضطراب في الوقت نفسه، فإن العالم سيواجه مشكلة أكبر بكثير.
هرمز يهدد تدفق الطاقة من الخليج، وباب المندب يهدد أحد أهم الطرق بين آسيا وأوروبا.

فنزويلا.. الورقة النفطية الأخرى في يد أمريكا
وهنا تظهر فنزويلا في الصورة.
فمع أزمة النفط الناتجة عن الحرب، أصبحت الاحتياطيات الفنزويلية الضخمة أكثر أهمية في الحسابات الأميركية.
وفي أغسطس 2026، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن اتفاق نفطي مع فنزويلا وصفته واشنطن بأنه يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة.
لكن من المهم صحفيًا توضيح أن وصف الأمر بأنه «استيلاء أميركي على النفط الفنزويلي» يعكس موقفًا سياسيًا وانتقادات للاتفاق، وليس وصفًا قانونيًا متفقًا عليه.
وتشير تفاصيل الاتفاق التي نقلتها رويترز إلى ترتيب يمنح شركة خاصة مرتبطة بالولايات المتحدة عقد إيجار لمدة 100 عام لتطوير 17 حقلًا نفطيًا، مع وصول أميركي إلى نحو خمس احتياطيات فنزويلا.
واللافت أن الرئيس ترامب ربط بنفسه بين الملفين الإيراني والفنزويلي، عندما تحدث عن إمكانية بقاء الولايات المتحدة في إيران والاستفادة من نفطها على غرار الاتفاق الفنزويلي.
وهذا يجعل النفط عنصرًا أساسيًا في فهم الاستراتيجية الأميركية الحالية.
هل تستطيع فنزويلا تعويض نفط هرمز؟
ليس بالسرعة التي قد يتصورها البعض.
امتلاك فنزويلا احتياطيات ضخمة لا يعني أن بإمكانها ضخ ملايين البراميل الإضافية في الأسواق العالمية فورًا.
قطاع النفط الفنزويلي يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وزيادة الإنتاج تدريجيًا.
لكن على المدى الطويل، يمكن أن تصبح فنزويلا مصدرًا مهمًا للإمدادات الإضافية، وهو ما يمنح واشنطن ورقة استراتيجية في مواجهة أي أزمة طويلة في الشرق الأوسط.
وهنا تصبح الصورة مثيرة للاهتمام:
إيران تمتلك ورقة هرمز، بينما تمتلك فنزويلا واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم.
والولايات المتحدة تحاول الاستفادة من الثانية في وقت تواجه فيه الأولى.
من المستفيد من ارتفاع النفط؟
الإجابة ليست بسيطة.
روسيا قد تستفيد من ارتفاع الأسعار بسبب صادراتها النفطية.
الشركات النفطية الأميركية قد تستفيد أيضًا من ارتفاع الأسعار.
لكن الصين وأوروبا واليابان والهند تواجه ضغوطًا أكبر بسبب اعتمادها على استيراد الطاقة.
أما دول الخليج نفسها، فقد تحصل على عائدات أعلى من النفط، لكنها في الوقت ذاته تتحمل مخاطر أمنية كبيرة وتواجه خطر استهداف منشآتها وخطوط أنابيبها.
وفي 14 سبتمبر، تعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب لهجوم بطائرات مسيرة، ما أدى مؤقتًا إلى تعطيله، وهو ما زاد الضغط على طرق نقل النفط البديلة عن هرمز.
الصين وروسيا.. هل تستطيعان مساعدة إيران؟
سياسيًا واقتصاديًا، تستطيعان تقديم قدر كبير من الدعم.
لكن عسكريًا، الأمر مختلف.
الصين وروسيا لا تريدان بالضرورة الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن إيران.
الصين تريد حماية تجارتها وإمدادات الطاقة، وروسيا تريد الحفاظ على علاقاتها مع طهران والاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة، لكن كلا البلدين لديه حساباته الخاصة.
ولهذا فإن الدعم الصيني والروسي لإيران لا يعني بالضرورة أن بكين أو موسكو ستدخلان الحرب إلى جانبها.
وهذا أحد أهم حدود التحالفات الجديدة التي تتشكل حول إيران.
ماذا يحدث إذا طال إغلاق مضيق هرمز؟
إذا استمر الوضع الحالي لفترة قصيرة، فقد تتمكن الأسواق من استيعاب جزء من الصدمة عبر المخزونات والطرق البديلة.
لكن استمرار الأزمة لأسابيع أو أشهر سيجعل الأمر مختلفًا.
فقد ترتفع أسعار النفط أكثر، وتزداد أسعار التأمين والشحن، وتضطر الناقلات إلى تغيير مساراتها، بينما تتنافس الدول الآسيوية والأوروبية على مصادر الطاقة المتاحة.
وإذا تزامن ذلك مع اضطراب باب المندب، فإن الأزمة قد تنتقل من أزمة نفط إلى أزمة تجارة عالمية.
ثلاثة سيناريوهات للعالم
1. اتفاق يعيد فتح هرمز
هذا هو السيناريو الذي تريده الأسواق.
عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية ستؤدي غالبًا إلى تراجع علاوة المخاطر في أسعار النفط، وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين.
2. أزمة طويلة دون حرب شاملة
قد يستمر مرور عدد محدود من السفن، مع بقاء أسعار النفط مرتفعة وتكيف الشركات مع الوضع الجديد.
وهذا السيناريو قد يكون مكلفًا للصناعة العالمية، لكنه أقل خطورة من حرب إقليمية شاملة.
3. توسع الحرب
هذا هو السيناريو الأكثر خطورة.
إذا امتدت الهجمات إلى منشآت الطاقة الخليجية، واستمر اضطراب هرمز، وتصاعدت المواجهات في البحر الأحمر وباب المندب، فقد تصبح أزمة الطاقة عالمية بالفعل.
هرمز.. أكثر من مجرد مضيق
في النهاية، يكشف ما يحدث حول مضيق هرمز أن الحرب الحالية أكبر بكثير من مواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
إنها أزمة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى:
إيران تريد الحفاظ على قدرتها على الضغط على خصومها.
الولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة وتأمين إمدادات الطاقة، مع توسيع نفوذها في سوق النفط.
إسرائيل تريد إضعاف إيران ومنعها من استعادة قوتها الإقليمية.
الصين تريد استمرار تدفق النفط والغاز والحفاظ على شراكتها مع طهران دون الانجرار إلى حرب مباشرة.
روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها لا تريد أن تتحول الأزمة إلى انهيار اقتصادي عالمي.
أوروبا تخشى ارتفاع الطاقة والتضخم وتكاليف الصناعة.
دول الخليج تريد استمرار صادراتها وحماية منشآتها.
أما فنزويلا فقد أصبحت جزءًا من الحسابات الأميركية المتعلقة بمصادر النفط البديلة.
وهكذا يتحول مضيق لا يتجاوز عرضه في أضيق مناطقه عشرات الكيلومترات إلى نقطة تتقاطع فيها مصالح أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم.
فإذا بقي هرمز مضطربًا، فلن تكون القضية مجرد ناقلات لا تستطيع العبور.
قد يكون السؤال الحقيقي هو: من يملك الطاقة، ومن يسيطر على طرق وصولها إلى العالم، ومن يستطيع استخدام النفط كسلاح في النظام الدولي الجديد؟
وهذا هو السبب في أن مستقبل مضيق هرمز قد يكون واحدًا من أهم المفاتيح لفهم مستقبل الحرب في الشرق الأوسط، وأسعار النفط، والاقتصاد العالمي، وموازين القوى بين أمريكا والصين وروسيا وإيران وأوروبا في السنوات المقبلة.
إسبانيا بالعربي.

