رئيس الحكومة الإسبانية يصرح: إسبانيا لا تُحكم من واشنطن أو تل أبيب
وجّه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رسالة سياسية حادة إلى اليمين المتطرف وحلفائه في أوروبا، مؤكدًا أن القرارات السياسية في إسبانيا يجب أن تصدر من داخل البلاد، لا أن تخضع لتأثير عواصم أو قوى أجنبية، وذلك في خطاب ألقاه بمدينة برشلونة وسط أجواء الاستعداد للانتخابات الإسبانية المقررة في 29 نوفمبر.
وقال سانشيز خلال مشاركته في منتدى «العالم في تقدم» (World in Progress)، الذي نظمه مجموعة «بريسا» الإعلامية، إن «إسبانيا لا تُحكم من واشنطن أو تل أبيب أو موسكو أو بوينس آيرس»، في إشارة إلى ما وصفه بتحالفات دولية تقيمها قوى اليمين المتطرف، معتبرًا أنها قد تسهم في إضعاف أوروبا من الداخل.
وجاءت تصريحات رئيس الحكومة في سياق انتقاده تقارب حزب الشعب المحافظ مع حزب «فوكس» اليميني المتطرف، محذرًا من أن تحالف الأحزاب التقليدية مع هذه التيارات قد يؤدي إلى تطبيع خطابها، ثم تراجع استقلالية تلك الأحزاب أمام نفوذ حلفائها الجدد.
سانشيز يحذر من تراجع الحريات وصعود اليمين المتطرف
حذّر رئيس الوزراء الإسباني من أن التقدم الذي حققته أوروبا في مجال الحريات والحقوق الديمقراطية ليس مضمونًا بصورة دائمة، مشيرًا إلى أن صعود قوى اليمين المتطرف قد يفتح الباب أمام تراجع مكتسبات سياسية وحقوقية تحققت خلال عقود.
واستحضر سانشيز كتاب «عالم الأمس» للكاتب النمساوي ستيفان تسفايغ، في وصفه للمرحلة التي تمر بها القارة الأوروبية، معتبرًا أن القومية المتصاعدة والحروب والتنافس الدولي تهدد النموذج الأوروبي القائم على التعاون والتكامل.
كما دعا إلى بناء أوروبا «أقوى وأكثر استقلالية وأكثر وحدة»، مؤكدًا أن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب تعزيز العمل الأوروبي المشترك، بدل الانكفاء داخل الحدود الوطنية.
بوينس آيرس وتل أبيب في قلب رسالة سياسية موجهة إلى الخارج
لم يذكر سانشيز أسماء قادة بعينهم في عبارته، لكنه أشار إلى واشنطن وتل أبيب وموسكو وبوينس آيرس ضمن حديثه عن التأثيرات الخارجية في السياسة الأوروبية.
وتأتي الإشارة إلى العاصمة الأرجنتينية في ظل التوتر القائم بين سانشيز والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي سبق أن وجّه انتقادات حادة لرئيس الحكومة الإسبانية خلال زيارة إلى مدريد، كما تأتي الإشارة إلى تل أبيب ضمن سياق انتقادات سانشيز للحرب في الشرق الأوسط ووصفه لها بأنها حرب غير قانونية.
وفي خطابه، اتهم سانشيز قوى اليمين المتطرف ببناء تحالفات تتجاوز الحدود الوطنية، وبالارتباط، وفق تعبيره، برجال أعمال وأثرياء أجانب يساهمون في تمويلها والتأثير في توجهاتها. وهذه اتهامات سياسية أوردها رئيس الحكومة في سياق دفاعه عن استقلال القرار الأوروبي، وليست حكمًا قضائيًا أو إثباتًا عامًا بشأن جميع الأحزاب التي انتقدها.

ثلاث تهديدات تواجه أوروبا وفق قراءة سانشيز
وفي الجزء الدولي من خطابه، حدد سانشيز ثلاث قضايا رئيسية قال إنها تشكل تهديدًا لمستقبل أوروبا، وهي عودة الحرب إلى القارة على خلفية الهجوم الروسي على أوكرانيا، والتنافس الاستراتيجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، والصراع على الموارد، خصوصًا مصادر الطاقة.
كما ربط رئيس الحكومة الإسبانية تداعيات الصراع في الشرق الأوسط بارتفاع تكاليف الطاقة، مقدرًا أن الحرب أضافت نحو 100 مليار يورو إلى الأعباء الاقتصادية التي تحملها الأوروبيون، وأثرت كذلك في دول الجنوب العالمي.
ودافع سانشيز في هذا السياق عن سياسة التحول الطاقي التي تبنتها حكومته، مشيرًا إلى أن مصادر الطاقة المتجددة باتت تنتج أكثر من نصف الكهرباء في إسبانيا، معتبرًا أن هذا التوجه ساعد البلاد على تقليل تعرضها لصدمات أسواق الطاقة.
رئيس الحكومة يدافع عن الاقتصاد الإسباني رغم أزمة المعيشة
واستغل سانشيز المنتدى للدفاع عن الأداء الاقتصادي لحكومته، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الإسباني سجل نموًا سنويًا بنسبة 2.7%، بالتزامن مع ارتفاع عدد المسجلين في الضمان الاجتماعي وتراجع العجز والدين العام، وفق الأرقام التي استشهد بها خلال كلمته.
وأكد أن تحقيق النمو الاقتصادي لا يتعارض، بحسب رؤيته، مع خفض الانبعاثات وخلق فرص العمل وتقليص العجز، مشددًا على أهمية الحفاظ على النموذج الاجتماعي الأوروبي وسياسات إعادة توزيع الثروة.
لكنه أقر في الوقت نفسه بأن إسبانيا تواجه مشكلتين رئيسيتين تؤثران في حياة المواطنين، هما ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وهما من أبرز الملفات التي تتصدر النقاش السياسي والاجتماعي في البلاد.
السكن وتكاليف المعيشة في صلب المواجهة السياسية
ودافع سانشيز عن قانون الإسكان الإسباني، منتقدًا الأحزاب والجهات التي ترفض تطبيقه، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأسر بسبب ارتفاع الإيجارات وصعوبة الوصول إلى السكن.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية مع إعلان النقابات العمالية تنظيم إضراب عام يوم 11 نوفمبر 2026 احتجاجًا على مشكلات السكن وتكاليف المعيشة. ويضع ذلك الحكومة أمام تحدٍ يتمثل في الدفاع عن نتائج سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، في مقابل استمرار شعور قطاعات من المواطنين بصعوبة مواجهة النفقات اليومية.

الذكاء الاصطناعي والخوارزميات.. جبهة أخرى في خطاب سانشيز
ولم يقتصر خطاب رئيس الحكومة على الاقتصاد والعلاقات الدولية، بل تطرق أيضًا إلى دور التكنولوجيا في تشكيل النقاش العام، داعيًا إلى وضع قواعد تنظم البيئات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
واعتبر سانشيز أن المشكلة لا تكمن في التنظيم بحد ذاته، بل في كيفية صياغة قواعد جيدة تضمن التقدم وتحمي المجتمعات، مشيرًا إلى أن تصميم الخوارزميات وغياب الشفافية قد يسهمان في تعزيز بعض أشكال الخطاب على حساب غيرها، بما يزيد الاستقطاب ويؤثر في جودة النقاش الديمقراطي.
واختتم رئيس الحكومة رسالته بالدعوة إلى تعزيز التكامل الأوروبي، معتبرًا أن الرد على القوى التي تدفع نحو الانقسام يجب أن يكون بمزيد من الوحدة والتعاون بين الدول الأوروبية.
إسبانيا بالعربي.

