ما الذي كشفه تقرير المخابرات الإسبانية حول الهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة؟
وضعت الوثائق التي رفعت الحكومة الإسبانية السرية عنها المغرب في قلب الجدل المتعلق بأزمة سبتة، بعدما أكدت أن أجهزة الرباط أُبلغت مسبقاً بدعوات واسعة لاقتحام الحدود عبر السياج والبحر يوم 30 يوليو/تموز 2026.
وتكشف الملفات أن Centro Nacional de Inteligencia، المعروف اختصاراً باسم CNI، حذّر في 29 يوليو/تموز أجهزة الاستخبارات المغربية والسلطات الإسبانية في سبتة من تحركات يجري إعدادها داخل مجموعات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم وصول التحذير قبل بدء العبور، لم تنجح السلطات المغربية في احتواء التحركات أو وقف تدفق الآلاف نحو الحدود. وبعد انطلاق الأزمة، وصف تقرير للاستخبارات العسكرية الإسبانية سلوك المغرب بأنه «مهمل وسلبي»، في إشارة إلى غياب التدخل الفعال خلال الساعات الأولى.
وكانت «إسبانيا بالعربي» قد تابعت قرار إسبانيا رفع السرية عن تقارير المخابرات المتعلقة بعبور عشرات الآلاف من المغرب إلى سبتة، قبل أن تظهر تفاصيل الاتصالات التي سبقت عملية العبور.

المغرب تلقى تحذيراً محدداً قبل أزمة سبتة
لم يكن التنبيه الذي أرسلته الاستخبارات الإسبانية مجرد تحذير عام من ضغط محتمل على الحدود. فقد رصد الجهاز مجموعة على تطبيق واتساب تحمل اسماً يحيل إلى «اقتحام سياج سبتة»، إلى جانب مجموعتين على فيسبوك تضمان نحو 180 ألف مستخدم.
وكانت الرسائل تدعو إلى دخول المدينة عبر السياج أو سباحة من البحر، مستغلة احتفالات عيد العرش واحتمال انشغال قوات الأمن المغربية بهذه المناسبة. وأرسل المركز الوطني للاستخبارات هذه المعلومات إلى الأجهزة المغربية، كما نقلها إلى مندوبية الحكومة في سبتة ووحدات الحرس المدني الإسباني.
وتؤكد وكالة رويترز أن الاستخبارات الإسبانية حذّرت الرباط ومدريد قبل يوم من العبور، وأن مؤشرات الضغط على الحدود كانت ظاهرة منذ 25 يوليو/تموز. كما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الملفات المنشورة تتضمن تحذيرات وتقارير ورسائل متبادلة بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
لا تثبت هذه الوثائق أن الحكومة المغربية هي التي أنشأت مجموعات التواصل أو وجهت المشاركين مباشرة. لكنها تؤكد أن أجهزتها تلقت معلومات مسبقة عن الدعوات، ثم عجزت أو امتنعت عن منع واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي التي عرفتها الحدود الإسبانية.
وهذا التمييز ضروري: التنظيم المباشر لم يثبت بصورة قاطعة، أما العلم المسبق وغياب الاحتواء والتعاون الفعال فقد وثقته التقارير الإسبانية.

تقرير المخابرات يصف موقف المغرب بـ«الإهمال والسلبية»
بعد بدء تدفق الآلاف، سجلت الاستخبارات العسكرية الإسبانية عند الساعة الواحدة ظهراً من يوم 30 يوليو/تموز تقييماً لموقف السلطات المغربية. وخلصت إلى أنه من المرجح أنها لم تكن تشجع الموجة بصورة نشطة، لكنها تصرفت بطريقة «مهملة وسلبية».
ويضع هذا التقييم المغرب أمام مسؤولية سياسية وأمنية عن عدم حماية جانبه من الحدود، خصوصاً أنه كان قد تلقى إنذاراً مباشراً قبل العملية. كما يناقض صورة التعاون الكامل التي حرصت الحكومة الإسبانية على إبرازها عند الحديث عن علاقتها بالرباط.
وذكرت صحيفة «20 دقيقة» أن الوثائق تضعف روايتين دافعت عنهما حكومة بيدرو سانشيز: الأولى أن الأزمة لم يكن من الممكن توقعها، والثانية عدم وجود عناصر كافية لتحميل المغرب مسؤولية ما وقع.
ومع ذلك، لا تقول الملفات إن الحكومة الإسبانية كانت تعرف مسبقاً أن أكثر من 70 ألف شخص سيتمكنون من العبور. فالتحذيرات تحدثت عن دعوات واسعة ومحاولة مرتقبة، لكنها لم تحدد الحجم النهائي الذي بلغته الأزمة.
خلاف داخل الحكومة الإسبانية بشأن التحذيرات
عززت الوثائق موقف وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، التي أكدت في 25 أغسطس/آب أن أجهزة الاستخبارات قامت بواجبها وشاركت المعلومات مع قوات الأمن ومندوبية الحكومة في سبتة. وكانت قد أوضحت أن الاتصالات الاستخباراتية لا تصدر دائماً في شكل تقارير رسمية مكتوبة.
في المقابل، قال وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا إنه لم يكن هناك تقرير يتوقع ما وقع يوم 30 يوليو/تموز. وتكشف الملفات أن تقريراً يحدد دخول أكثر من 70 ألف شخص لم يكن موجوداً بالفعل، لكن تحذيرات واضحة من محاولة جماعية عبر السياج والبحر كانت قد وصلت قبل يوم من الأحداث.
وهكذا انتقل النقاش من السؤال عما إذا كانت السلطات الإسبانية قد تلقت تحذيراً إلى التساؤل عن سبب عدم ترجمة المعلومات المتاحة إلى استعداد أمني يتناسب مع الخطر. وبعد انهيار الوضع، اضطرت إسبانيا إلى وضع سبتة تحت قيادة أمنية وعسكرية موحدة وتحويل الأزمة إلى قضية أمن قومي.

سانشيز يتحدث عن «هجوم هجين» ويتجنب اتهام الرباط
وصف رئيس الحكومة الإسبانية ما وقع في سبتة بأنه «هجوم هجين»، لكنه امتنع عن اتهام المغرب بتنظيم العملية، مؤكداً عدم وجود دليل قاطع على صدور قرار رسمي من الرباط بتوجيه المهاجرين نحو الحدود.
إلا أن الوثائق تجعل الفصل بين عدم وجود دليل على التنظيم وبين ثبوت التقاعس المغربي أكثر وضوحاً. فالمغرب كان يعلم بوجود الدعوات، وكانت قواته تسيطر على الجانب الذي انطلق منه المشاركون، ومع ذلك وصل عشرات الآلاف إلى السياج والشواطئ الحدودية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصعيد دبلوماسي، إذ سبق أن أعلنت إسبانيا استدعاء سفيرة المغرب على خلفية أزمة سبتة والتصريحات المغربية المتعلقة بسيادة المدينتين.
ولا تزال الأزمة تترك آثاراً أمنية وإنسانية داخل المدينة، حيث تواصل السلطات دراسة أوضاع الموجودين وطلبات الحماية وإجراءات الإعادة بصورة فردية. ويوضح تقرير سابق حول من يحق لإسبانيا إعادته إلى المغرب بعد موجة العبور الجماعي القيود القانونية التي تمنع تنفيذ عمليات طرد جماعية من دون دراسة ظروف كل شخص.
ولا تجيب الوثائق المنشورة حتى الآن بصورة نهائية عن سؤال من خطط للعملية، لكنها تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: المغرب تلقى التحذير، وكان يملك القدرة الميدانية على احتواء التحركات، ومع ذلك لم يمنع وصولها إلى الحدود.
إسبانيا بالعربي.
