اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
شؤون إسبانيةآخر الأخباردولي

هل تستبدل أوروبا أمريكا بتركيا؟ سر التحالف العسكري السري بين مدريد وأنقرة

تواصل إسبانيا تعزيز تعاونها العسكري مع تركيا من خلال المشاركة في برامج دفاعية متطورة مثل طائرة التدريب القتالي Hürjet ومهمة صواريخ Patriot في قاعدة إنجرليك، مما يضع مدريد في موقع الشريك الأوروبي المفضّل لمشاريع الدفاع التركية المستقبلية.

تتيح هذه التحالفات لإسبانيا فرصة الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية بأسواق أوروبية وبتكلفة منخفضة، في وقت تسعى فيه أنقرة لترسيخ مكانتها كمورد عسكري رئيسي للقارة العجوز، مستغلة حالة عدم اليقين المحيطة بالدعم الأمريكي. ومع ذلك، يثير هذا التقارب بعض المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي بسبب المخاوف من الانجراف السلطوي للرئيس إردوغان، ومخاطر استبدال التبعية التكنولوجية للولايات المتحدة بتبعية أخرى لتركيا.

تركيا
أردوغان سانشيز

قمة أنقرة وترسيخ التحالف العسكري بين مدريد وتركيا

تأتي قمة الناتو في أنقرة في وقت توطد فيه إسبانيا تعاوناً عسكرياً وثيقاً مع تركيا. فبعد النجاح في برنامج Hürjet واستمرار المهمة الإسبانية لبطاريات Patriot في إنجرليك، باتت أنقرة تصنف مدريد ضمن شركائها الأوروبيين المفضلين لتطوير مشاريع صناعية دفاعية جديدة.

ويرى خبراء من الطرفين أن هذه العلاقات تمر بمرحلة توسع غير مسبوقة، رغم تباين الآراء حول تداعياتها:

  • تغير النظرة الأوروبية: لطالما نُظر إلى تركيا في بروكسل كحليف “مزعج” بسبب السياسات الداخلية لرجب طيب أردوغان، لكن الحرب في أوكرانيا، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، والشكوك حول التزامات واشنطن، أعادت أنقرة إلى قلب منظومة الأمن الأوروبي.
  • المشاريع المشتركة: يوضح مراد أصلان، خبير الدفاع في جامعة حسن كاليونجو: “لا نتطلع فقط إلى البيع والشراء مع أوروبا، بل نهدف إلى إطلاق مشاريع تصنيع عسكري مشتركة”. ويعتبر أصلان أن إسبانيا وإيطاليا هما الشريكان الطبيعيان لهذه الاستراتيجية.
  • بدائل المقاتلات الأوروبية: يضيف الخبير أن تعثر مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلي (FCAS) يفتح الباب أمام إسبانيا للتعاون في مشروع المقاتلة التركية من الجيل الخامس KAAN، مقترحاً شراكة تبدأ من التصميم وتصل إلى التسويق التجاري.

لماذا تمثل إسبانيا شريكاً مثالياً لأنقرة؟

تجمع إسبانيا مزايا استراتيجية متعددة تجعلها شريكاً جاذباً لقطاع الدفاع التركي، ومن أبرزها:

  1. صناعة طيران قوية: بقيادة شركة “إيرباص إسبانيا” (Airbus España).
  2. خبرة بحرية سابقة: التعاون الناجح مع شركة “نافانتيا” (Navantia) الإسبانية في تصميم السفينة الحربية TCG Anadolu.
  3. التزام عسكري مستقر: التواجد المستمر في مهمة الناتو بصواريخ باتريوت في تركيا.
  4. بوابة للسوق الأوروبية: إمكانية الوصول إلى أسواق الدفاع الأوروبية عبر برامج التصنيع المشترك.
البحرية الإسبانية
سفينة حربية

استراتيجية تركيا للتوسع في سوق الدفاع الأوروبي

يتزامن هذا التقارب الإسباني التركي مع تحول أوسع نطاقاً؛ حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تسريع وتيرة تسليحه وتعزيز الحكم الذاتي الاستراتيجي. وفي المقابل، تطمح تركيا إلى التحول لأحد أكبر الموردين العسكريين للقارة، وهو ما يظهر جلياً في تحركاتها الأخيرة:

  • تصدير الطائرات المسيرة (الدرونز) إلى بولندا وكرواتيا.
  • توريد المركبات المدرعة إلى رومانيا، والسفن الحربية إلى البرتغال.
  • إبرام اتفاقيات صناعية دفاعية مع إيطاليا، ألمانيا، وإسبانيا.

ووفقاً لوكالة رويترز، تجاوزت صادرات الدفاع التركية حاجز الـ 10 مليارات دولار في العام الماضي، ذهب أكثر من نصفها إلى حلفاء داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتطمح أنقرة الآن إلى مضاعفة هذا الرقم في غضون عامين مستفيدة من ضغوط واشنطن لرفع الإنفاق العسكري الأوروبي إلى 5%.

صناعة ولدت من رحم العقوبات والاعتماد الذاتي

يرجع الخبراء جذور الصناعة العسكرية التركية الحديثة إلى الحظر الأمريكي الذي فُرض على أنقرة بعد تدخلها في قبرص عام 1974، وهو ما دفعها لتقليل الاعتماد على الخارج.

وقد ساهمت العقود الطويلة من العمليات العسكرية في اختبار وتطوير الأنظمة الدفاعية محلياً. وتتميز المنتجات التركية بـ:

  • الواقعية والعملية: كفاءة عالية في ميدان القتال وتكلفة إنتاج منخفضة.
  • مرونة نقل التكنولوجيا: استعداد أنقرة لنقل المعرفة التكنولوجية وتقديم دعم ما بعد البيع بمرونة كبيرة.

ويظهر هذا النموذج بوضوح في برنامج طائرات Hürjet، حيث ستقود “إيرباص إسبانيا” نظام التدريب القتالي المتكامل، مع ضمان نسبة مشاركة صناعية إسبانية كبيرة على منصة طورتها شركة صناعات الفضاء التركية (TAI).

تجارة السلاح الإسبانية
تجارة السلاح الإسبانية

الشراكة الأوروبية التركية: حاجة ملحة أم تبعية جديدة؟

رغم الفرص الواعدة، تثير هذه الشراكة مخاوف جدية لدى الأوساط الأمنية الأوروبية. يلخص فليكس أرتيغا، الباحث الرئيسي في معهد إل كانو الملكي، العلاقة في ثلاثة أبعاد زمنية:

  • على المدى القصير: تلبي تركيا حاجة صناعية عاجلة لأوروبا.
  • على المدى المتوسط: يمكن دمج تركيا في سلاسل القيمة المضافة.
  • على المدى الطويل: هناك خطر حقيقي من استبدال التبعية التكنولوجية لأمريكا بتبعية أخرى لتركيا.

تحذير استراتيجي: “ليس من المنطقي أن نسعى لتقليل الاعتماد التكنولوجي على أطراف خارجية، فنخفض الاعتماد على الولايات المتحدة من جهة لنزيده لصالح دول مثل تركيا من جهة أخرى” — فليكس أرتيغا.

بالإضافة إلى ذلك، باتت الشركات التركية، المدعومة بقوة من الدولة وبتكاليف عمالة منخفضة مرونة إدارية، منافساً مباشراً للمصنعين الأوروبيين في قطاعات بناء السفن، المدرعات، والمسيرات.

الالتفاف على القيود الأوروبية عبر المشاريع المشتركة (Joint Ventures)

بعد استبعاد تركيا من برنامج القروض الأوروبي المخصص للتسلح والبالغ قيمته 150 مليار يورو، وجدت أنقرة طريقاً بديلاً عبر الاتفاقيات الثنائية والمشاريع المشتركة:

  • أسست شركة Baykar (المصنعة لمسيرات بيرقدار) مشروعاً مشتركاً مع شركة Leonardo في إيطاليا.
  • قامت شركة Repkon التركية بإنشاء خطوط إنتاج للذخيرة في ألمانيا.

وقد وافقت الحكومة الإيطالية على شراكة “ليوناردو-بايكار” ولكن بموجب شروط صارمة تشمل قيوداً على المبيعات الدولية لضمان تماشيا مع سياسات الناتو وأوروبا، مما يعكس حجم الحذر السياسي الأوروبي.

قمة أنقرة ومستقبل الأمن الصناعي الأوروبي

تنعقد قمة أنقرة وسط هذه الأجواء المشحونة بالطموحات والمخاوف. يطالب الرئيس أردوغان برفع القيود التجارية المفروضة على قطاع الدفاع التركي والاعتراف بثقل أنقرة في الأمن الأوروبي.

ورغم رغبة تركيا في لعب دور المورد والداعم الصناعي لحلفاء الناتو والخليج وآسيا، تظل هناك عقبتان رئيسيتان:

  1. الملف السياسي: تجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي والمخاوف المتعلقة بسيادة القانون.
  2. الاعتماد على المكونات الأجنبية: لا تزال بعض البرامج التركية الرائدة، مثل المقاتلة KAAN، تعتمد على محركات ومكونات مستوردة من الخارج (تخضع للميزانية والموافقات الأمريكية).

يبقى السؤال الاستراتيجي المطروح أمام إسبانيا وأوروبا: كيف يمكن الاستفادة من القدرات الصناعية العسكرية الهائلة لتركيا وتلبية الاحتياجات الدفاعية العاجلة، دون الوقوع في فخ تبعية تكنولوجية وأمنية جديدة؟

زر الذهاب إلى الأعلى