واحدة من كل 4 إسبانيات تنهي سنوات خصوبتها دون أطفال.. ما الأسباب؟
تشهد إسبانيا تحولاً ديمغرافياً حاداً وغير مسبوق يثير قلق الخبراء والمحللين الاجتماعيين والاقتصاديين على حد سواء. فقد كشفت أحدث البيانات الإحصائية والتقارير الصادرة حديثاً عن ارتفاع كبير ومطرد في نسبة النساء اللاتي يصلن إلى نهاية مرحلتهن العمرية والإنجابية دون أن ينجبن أي أطفال. هذا التغير السريع والمقلق يضع البلاد أمام تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، ويدفع بها نحو ما يُعرف بـ “الشتاء الديمغرافي” الذي يهدد الاستقرار السكاني والتوازن الاقتصادي في المستقبل القريب.
نتائج صدمة من أحدث التقارير السكانية في إسبانيا
وفقاً لتقرير تفصيلي حديث صادر عن مؤسسة “فونكاس” (Funcas) المتخصصة في التحليلات الاقتصادية والاجتماعية، تحت عنوان ماضي وحاضر ومستقبل الأمومة في إسبانيا (وفيك أوروبا)، فإن نحو 29.5% من النساء الإسبانيات ينهين حياتهن الإنجابية دون إنجاب أطفال. وتعد هذه النسبة قفزة قياسية وهائلة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ربع قرن فقط، حين كانت النسبة لا تتجاوز 18%.
تستند هذه النتائج المخيفة إلى أرقام واقعية وميدانية ملموسة؛ حيث يُظهر التقرير أن ما يقرب من 30% من النساء المولودات بين عامي 1982 و1986 (واللاتي يتراوح أعمارهن بين 40 و44 عاماً) لا يعشن مع أي طفل أو قاصر تحت سن العشرين. وبالمقارنة مع عام 2000، كانت هذه النسبة تبلغ 18% فقط بالنسبة لنفس الفئة العمرية، و17% بين النساء اللاتي تراوحت أعمارهن بين 35 و39 عاماً. هذا يعني أنه في غضون 25 عاماً فقط، ارتفعت نسبة النساء دون أطفال عند نهاية سن الإنجاب بأكثر من 10 نقاط مئوية كاملة.

تراجع مستمر في معدلات الخصوبة عبر الأجيال التعاقبية
يُظهر التحليل التراكمي للأجيال والذي أعدته مؤسسة “فونكاس” أن النساء المولودات في عام 1979 قد أنجبن في المتوسط 1.36 طفلاً فقط، وهو فارق شاسع وتراجع حاد مقارنة بـ 2.59 طفلاً للشهيرات من جيل عام 1940. وتبيّن البيانات أنه منذ جيل ستينيات القرن الماضي، هبط معدل الخصوبة في إسبانيا ليصبح بشكل دائم دون مستوى الإحلال السكاني المطلوب عالمياً، والمحدد بـ 2.1 طفلا لكل امرأة لضمان استمرار التجدد الجيلي.
وما يجعل الوضع في إسبانيا أكثر تعقيداً هو أن هذا التراجع لم يتوقف، كما أن تأخير سن الإنجاب الأول لم يرافقه تعويض عبر إنجاب المزيد من الأطفال في مرحلة عمرية متأخرة. هذا النمط السلوكي يميّز إسبانيا بشكل صارخ عن دول أوروبية أخرى مثل فرنسا والسويد، حيث تنجح المجتمعات هناك في الحفاظ على معدلات خصوبة أعلى بين الأجيال الشابة بفضل منظومة الدعم الاجتماعي والسياسات الأسرية المشجعة.
تأخر سن الأمومة الأولى والأسباب الهيكلية المباشرة
يتجاوز متوسط العمر الذي تنجب فيه المرأة الإسبانية طفلها الأول حالياً حاجز الـ 32 عاماً، وهو يُصنف كأحد أعلى المعدلات وأكثرها تأخراً في منطقة أوروبا الغربية. هذا التأخير الطويل والمتواصل يقلل بشكل ملموس من النافذة الزمنية والبيولوجية المتاحة أمام المرأة لإنجاب طفل ثانٍ أو ثالث.
وليس هذا التأخير وليد المصادفة أو الرغبة المحضة، بل هو نتيجة مباشرة لتراكم العديد من العقبات الهيكلية والظروف المعيشية الصعبة التي تواجه الشباب، ومن أبرزها:
- هشاشة سوق العمل والprecariedad: انتشار العقود المؤقتة وغير المستقرة وصعوبة الحصول على وظيفة ثابته تضمن دخلاً مستداماً.
- ضعف الأجور وانخفاض القدرة الشرائية: عدم تناسب الرواتب مع تكاليف المعيشة المتزايدة ومتطلبات تأسيس أسرة جديدة.
- أزمة السكن وغلاء العقارات: الارتفاع الفاحش في أسعار شراء وإيجار المنازل، مما يجعل استقلال الشباب وأمر السكن أمراً في غاية الصعوبة.
- غياب التوازن بين العمل والحياة الشخصية: ضعف سياسات التوفيق والتقريب بين المتطلبات المهنية الشاقة والمسؤوليات الأسرية.
ونتيجة لهذه الضغوط المتزايدة، تجد الكثير من النساء اللاتي يرغبن في تكوين أسرة وأمومة أنفسهن في نهاية المطاف دون أطفال، ليس بناءً على خيار شخصي طوعي، بل بسبب تراكم العوائق الاجتماعية والاقتصادية.

مؤشرات الخصوبة المنخفضة وموقع إسبانيا العالمي
يستقر المؤشر الظرفي للخصوبة (ICF) في إسبانيا حالياً عند مستوى متدنٍ للغاية يبلغ حوالي 1.10 طفلاً لكل امرأة، وهو من أدنى المعدلات المسجلة في القارة الأوروبية بأكملها. وفي حين تتعافى معدلات الإنجاب جزئياً في بعض البلدان المجاورة خلال الأعمار المتقدمة للمرأة، تجمع إسبانيا بين جدولة زمنية متأخرة جداً للأمومة ومعدل خصوبة نهائي شديد الانخفاض، مما يجعلها حالة دراسية شديدة الخطورة داخل أزمة الديمغرافيا الأوروبية.
إلى جانب العوامل الاقتصادية، تسهم التغيرات الثقافية والمسارات التعليمية الطويلة في تأخير تكوين الأزواج المستقرين. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة اعتمدت على أرقام صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) ومراكز أبحاث عالمية مثل “بيو” و”إيبسوس” و”يوغوف”، أن إسبانيا تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في نسبة النساء اللاتي يصرحن بوضوح: “لا أريد إنجاب أطفال”.
تصل هذه النسبة في إسبانيا إلى 49% من النساء، لتأتي مباشرة بعد بلدان تسجل تراجعاً سكانياً حاداً مثل:
- كوريا الجنوبية: 65%
- اليابان: 58%
- ألمانيا: 52%
- إيطاليا: 51%
- إسبانيا: 49%
ورغم هذه النسبة المرتفعة من الرفض الصريح، تؤكد أبحاث “فونكاس” أن العقم غير الطوعي المترتب عن الظروف الخارجية ما زال يمثل السبب الرئيسي والنسبة الأكبر بين النساء اللاتي ينهين حياتهن دون أن يصبحن أمهات.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة لـ “الشتاء الديمغرافي”
تحذر مؤسسة “فونكاس” في تقريرها من أن الشوط الذي قطعه هذا الاتجاه النزولي يحمل معاني وتداعيات وخيمة على مستقبل إسبانيا واقتصادها الوطني. فالنسبة المرتفعة من النساء اللاتي يعشن دون أطفال تسهم مباشرة في:
- تسريع وتيرة الشيخوخة السكانية: ارتفاع نسبة كبار السن مقابل تراجع حاد في نسبة الأطفال والشباب.
- استنزاف نظام المعاشات والتقاعد: زيادة الضغط المالي على صندوق التأمينات الاجتماعية وقلة الموارد المخصصة للرعاية الصحية لكبار السن.
- تقلص القوى العاملة: انخفاض أعداد المساهمين الجدد في سوق العمل ودافعي الضرائب الذين يحملون عجلة النمو الاقتصادي.
إن إسبانيا تقف اليوم أمام ظاهرة “الشتاء الديمغرافي” الحقيقي، وهو وضع يمس قدرة المجتمع الأساسية على الاستمرار والتجدد الجيلي، ويُهدد بتعميق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود القادمة إذا لم تُتخذ خطوات علاجية جادة.

تغير شكل الأسرة والحاجة إلى حلول جذرية وشاملة
سلط تقرير “فونكاس” الضوء أيضاً على ظاهرة أخرى آخذة في النمو، وهي زيادة وزن الأمومة الفردية (الأمهات العازبات أو من يقررن الإنجاب بمفردهن)، وخاصة بين النساء في سن متأخرة. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة لا تزال تشكل نسبة محدودة من إجمالي الولادات، إلا أنها تعكس من جهة تنوع الأشكال الأسرية الجديدة، وتوضح من جهة أخرى الصعوبات البالغة في العثور على شريك حياة مناسب ومستعد لمشاركة مشروع أسرى طويل الأمد في ظل ظروف مادية مواتية.
ويؤكد الخبراء في ختام التقرير أن هذه الأزمة المترابطة لا يمكن حلها عبر مسكنات مؤقتة أو حوافز مالية وبطاقات تشجيعية بسيطة عند الولادة. إن الأمر يستدعي استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة تُعنى بـ:
- توفير سكن ملائم وبأسعار ميسرة للشباب.
- ضمان استقرار الوظائف وتحسين الأجور.
- تقديم إجازات أمومة ورعاية أطفال طويلة ومجافية للتمييز المهني.
- ترسيخ ثقافة مؤسسية ومجتمعية حقيقية تدعم التوفيق بين العمل والأسرة.
وبدون إدخال هذه التغييرات الهيكلية العميقة، تشير كل التوقعات والبيانات الحالية إلى أن نسبة النساء الإسبانيات اللاتي سينهين حياتهن الإنجابية دون أطفال ستواصل الارتفاع والنمو في الأجيال والمجموعات السكانية القادمة.
إسبانيا بالعربي.

