شؤون إسبانيةآخر الأخبارسياسة

محور إسرائيل والمغرب وأمريكا ضد إسبانيا.. هل استُخدمت أزمة سبتة لمعاقبة حكومة سانشيز؟ صحيفة إسبانية تُجيب

أثار التدفق الجماعي المفاجئ لعشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب نحو مدينة سبتة تساؤلات تتجاوز أزمة الهجرة وحدها، وسط اتهامات بأن ما حدث خدم مصالح محور يجمع المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة، ويهدف إلى إضعاف حكومة بيدرو سانشيز بسبب مواقفها من غزة وإيران.

ويرى تحليل نشرته مجلة The Nation الأمريكية وأعادت صحيفة CTXT الإسبانية نشره، أن الرباط استخدمت مجدداً ما يُعرف بـ«الابتزاز بالهجرة»، بينما سارعت أطراف إسرائيلية وأمريكية إلى استغلال الأزمة سياسياً ضد إسبانيا.

لكن هذه الفرضية تبقى تحليلاً مبنياً على مؤشرات سياسية وتصريحات متزامنة، وليست مؤامرة مثبتة بوثائق رسمية.

سبتة
سبتة

اختفاء مفاجئ للأمن المغربي

بدأت الشكوك بعد تمكن عشرات الآلاف من الأشخاص من العبور سباحة أو سيراً من المغرب إلى سبتة خلال فترة زمنية قصيرة، في وقت بدا فيه أن القوات المغربية المكلفة بمراقبة الحدود قد تراجعت أو اختفت من بعض المواقع.

كما انتشرت قبل العبور رسائل عبر شبكات التواصل الاجتماعي تشجع المهاجرين على التوجه بصورة جماعية نحو الحدود، وتزعم أن الطريق إلى سبتة أصبح مفتوحاً.

وبحسب التحليل، يصعب تصور أن السلطات المغربية، التي تمتلك أجهزة أمنية واستخباراتية واسعة، لم تكن على علم بتداول هذه الدعوات أو بالتحركات الكبيرة قرب الحدود.

تجربة مماثلة حدثت سنة 2021

ليست هذه المرة الأولى التي تتهم فيها إسبانيا المغرب باستعمال الهجرة أداةً للضغط السياسي. ففي مايو 2021، دخل أكثر من 8 آلاف شخص إلى سبتة بعد تخفيف المراقبة المغربية، بالتزامن مع أزمة دبلوماسية بسبب استقبال إسبانيا الرئيس الصحراوي، إبراهيم غالي، للعلاج.

وانتهت الأزمة لاحقاً بتغيير حكومة بيدرو سانشيز موقفها التقليدي من قضية الصحراء الغربية وإعلان دعمها المقترح الذي يقدمه المغرب، وتجاهل المقترح الصحراوي. ويقدم المغرب الحكم الذاتي، الذي أشادت به إسبانيا سنة 2022.

ويرى محللون أن هذه السابقة أظهرت للرباط أن فتح الحدود أو تخفيف مراقبتها يمكن أن يدفع مدريد إلى تقديم تنازلات سياسية.

نتنياهو
نتنياهو

ماذا تستفيد إسرائيل؟

تدهورت العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل بسبب انتقادات حكومة سانشيز للحرب الإسرائيلية على غزة، واعتراف مدريد بدولة فلسطين، وفرض قيود على تجارة الأسلحة والمنتجات القادمة من المستوطنات.

كما رفضت السلطات الإسبانية السماح لسفن مرتبطة بنقل أسلحة إلى إسرائيل باستخدام موانئها، بينما استقبلت موانئ مغربية بعض تلك السفن، وفقاً للتحليل.

وعندما اندلعت أزمة سبتة، استغل مسؤولون إسرائيليون الحادث لمهاجمة إسبانيا والتشكيك في سيادتها على المدينة. وقال سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون إن على إسبانيا أن تفسر للعالم سبب احتفاظها بما وصفه بـ«جيوب استعمارية في إفريقيا».

وسبق ليائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن نشر خريطة تضم سبتة ومليلية، ودعا العرب والمسلمين إلى البدء بما وصفه «تحرير الأراضي العربية والإسلامية المحتلة».

ويعتبر التحليل أن هذه المواقف لا تعني الحياد، بل تكشف وجود أصوات إسرائيلية مؤثرة تشجع المطالب المغربية المتعلقة بالمدينتين الإسبانيتين.

تحالف عسكري واستخباراتي بين الرباط وتل أبيب

تعززت العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقيات التطبيع سنة 2020، مقابل اعتراف إدارة دونالد ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية.

وفي سنة 2021، وقع المغرب وإسرائيل اتفاقاً واسعاً للتعاون الدفاعي، ثم توسعت العلاقات لتشمل شراء الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى قطاعات التجارة والطاقة والزراعة والسياحة.

كما اعترفت إسرائيل بالموقف المغربي من الصحراء الغربية، بينما أصبح المغرب من أبرز المشترين العرب للأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.

ويرى كاتب التحليل أن هذا الترابط خلق محوراً سياسياً وأمنياً يجمع الرباط وتل أبيب وواشنطن، وتلتقي مصالح أطرافه حالياً في الضغط على حكومة سانشيز.

فورين بوليسي: ماذا يعني فوز ترامب بالنسبة للصين والشرق الأوسط و"الناتو"؟
دونالد ترامب

إدارة ترامب تدخل على الخط

لم تركز التصريحات الأمريكية عقب أزمة سبتة على الدور المغربي المحتمل، بل هاجمت حكومة إسبانيا وسياساتها المتعلقة بالهجرة.

واستخدم الرئيس دونالد ترامب صور الأزمة للتحذير من عودة الديمقراطيين إلى الحكم، بينما وصف نائبه جيه دي فانس ما حدث بأنه نتيجة لسياسات «اليسار المتطرف والعولمة».

وتأتي هذه التصريحات في ظل خلافات حادة بين واشنطن ومدريد، بعدما رفضت حكومة سانشيز استخدام القواعد العسكرية المشتركة في إسبانيا لتنفيذ عمليات أمريكية خلال الحرب مع إيران، كما رفضت رفع الإنفاق الدفاعي إلى النسبة التي تطالب بها إدارة ترامب.

والأخطر أن تقريراً مرافقاً لمشروع ميزانية مجلس النواب الأمريكي استخدم تعبير «مدينتان خاضعتان للإدارة الإسبانية وتقعان في الأراضي المغربية» عند الحديث عن سبتة ومليلية، ودعا إلى مناقشة «وضعهما المستقبلي».

أزمة حدودية أم عملية ضغط منسقة؟

لا توجد حتى الآن وثائق تثبت أن المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة خططت بصورة مشتركة لتدفق المهاجرين نحو سبتة. كما نفت الرباط أي مسؤولية عن الأحداث.

لكن التزامن بين تخفيف المراقبة المغربية، والهجوم السياسي الإسرائيلي والأمريكي على حكومة سانشيز، وتشجيع أصوات قريبة من تل أبيب وواشنطن للمطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية، يجعل فرضية التنسيق السياسي محل نقاش متزايد.

والنتيجة المؤكدة هي أن الأزمة خدمت الأطراف الثلاثة: المغرب أعاد قضية سبتة إلى الواجهة، وإسرائيل عاقبت إسبانيا سياسياً بسبب موقفها من فلسطين، بينما استعمل ترامب صور المهاجرين لمهاجمة اليسار والحكومة الإسبانية.

وبذلك، تحولت الهجرة من مأساة إنسانية إلى أداة في صراع جيوسياسي واسع، كانت إسبانيا وحكومة بيدرو سانشيز هدفه المباشر. التحليل الأصلي الذي أعادت CTXT نشره، ونسخته المنشورة بالإنجليزية.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى