شؤون إسبانيةآخر الأخباراقتصاد

بعد أزمة سبتة.. إسبانيا تقلّص اعتمادها على الغاز الأمريكي وتتجه إلى الجزائر التي تزودها بـ 41.7% من وارداتها متفوقة على واشنطن

عززت إسبانيا اعتمادها على الغاز الجزائري خلال سنة 2026، في خطوة تعيد الجزائر إلى قلب الاستراتيجية الإسبانية لضمان أمن الطاقة، لكنها تأتي في لحظة تشهد فيها علاقات مدريد توتراً متزايداً مع المغرب وإيطاليا.

وبحسب أحدث بيانات شركة إيناغاس، المسؤولة عن إدارة شبكة الغاز في إسبانيا، زودت الجزائر السوق الإسبانية خلال يوليو/تموز بـ10,707 غيغاواط/ساعة من الغاز الطبيعي، أي ما يعادل 41.7% من مجموع واردات البلاد خلال ذلك الشهر.

وجاءت نيجيريا في المركز الثاني بحصة بلغت 15.4%، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 11.6%، ثم روسيا بنسبة 8.1%.

الجزائر
الجزائر أول مورد للغاز الطبيعي إلى إسبانيا

الجزائر تستعيد مكانتها بوصفها المورد الأول متجاوز الولايات المتحدة

خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، صدّرت الجزائر إلى إسبانيا ما مجموعه 74,336 غيغاواط/ساعة، لتستحوذ على 34.8% من إجمالي الغاز الذي استوردته البلاد.

وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بـ58,763 غيغاواط/ساعة وحصة قدرها 27.3%، بينما احتلت روسيا المركز الثالث بنسبة 18.3%.

وارتفع استهلاك إسبانيا من الغاز الجزائري بنحو 5% خلال النصف الأول من السنة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بما يعادل زيادة تتجاوز 3 آلاف غيغاواط/ساعة.

وتشير هذه الأرقام إلى عودة الجزائر بقوة إلى موقعها التقليدي بوصفها الشريك الطاقي الرئيسي لإسبانيا، بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والمنافسة مع الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة.

الغاز اسبانيا ممر للطاقة الخضراء سانتشيث ماكرون
حقل غاز

خط مباشر لا يمر عبر المغرب

يصل الجزء الأكبر من الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر خط ميدغاز البحري، الذي يربط بني صاف في الجزائر مباشرة بمدينة ألمرية الإسبانية، من دون المرور عبر الأراضي المغربية.

ويمثل هذا الخط ميزة استراتيجية لإسبانيا، لأنه يسمح لها باستقبال الغاز مباشرة وبكلفة أقل من الغاز الطبيعي المسال الذي يُنقل بواسطة السفن.

وتدرس مدريد والجزائر زيادة الكميات المنقولة عبر ميدغاز بما يصل إلى 10%، أي ما يقارب مليار متر مكعب إضافي سنوياً، من أجل تعزيز مخزون إسبانيا قبل فصل الشتاء ومواجهة الاضطرابات المحتملة في سوق الطاقة.

لماذا يثير التقارب قلق المغرب؟

يتزامن التقارب الإسباني الجزائري مع توتر جديد بين مدريد والرباط عقب أزمة الهجرة الجماعية في سبتة، وعودة المغرب إلى الحديث عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية.

وترتبط الجزائر والمغرب بعلاقات شديدة التوتر، إذ قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط سنة 2021، كما أوقفت ضخ الغاز عبر خط المغرب العربي–أوروبا، الذي كان يمر عبر الأراضي المغربية في اتجاه إسبانيا.

وأصبحت إسبانيا منذ ذلك الحين ترسل الغاز إلى المغرب في الاتجاه المعاكس عبر الخط نفسه، مع تأكيد مدريد أن هذه الكميات لا تأتي من الجزائر.

وقد سبق للحكومة الجزائرية أن حذرت من إعادة بيع غازها إلى المغرب، ملوحة بمراجعة عقود التوريد إذا ثبت تحويل الغاز الجزائري إلى المملكة.

ولهذا قد تنظر الرباط بحذر إلى استعادة العلاقات الاستراتيجية بين مدريد والجزائر، خصوصاً أن الطرفين يتنافسان بشأن الصحراء الغربية والنفوذ السياسي والاقتصادي في شمال إفريقيا.

تراجع واردات إسبانيا من الغاز الطبيعي
تراجع واردات إسبانيا من الغاز الطبيعي

منافسة إسبانية إيطالية على الغاز الجزائري

لا يقتصر تأثير التحرك الإسباني على المغرب، بل يمتد أيضاً إلى إيطاليا التي سعت خلال السنوات الماضية إلى التحول إلى البوابة الرئيسية للغاز الجزائري نحو أوروبا.

وتستقبل إيطاليا الغاز عبر خط ترانسميد الممتد من الجزائر مروراً بتونس والبحر المتوسط، كما أبرمت شركة «إيني» الإيطالية عدة اتفاقيات مع شركة «سوناطراك» لزيادة الإمدادات والاستثمارات المشتركة.

وبعد الأزمة بين مدريد والجزائر سنة 2022، وجهت الجزائر جزءاً أكبر من صادراتها نحو إيطاليا، ما عزز موقع روما بوصفها شريكاً طاقياً أوروبياً رئيسياً.

أما الآن، فإن عودة إسبانيا إلى شراء كميات متزايدة ومحاولة رفع قدرة ميدغاز تعني احتدام المنافسة بين مدريد وروما على الإمدادات الجزائرية، خصوصاً في ظل عدم قدرة الجزائر على زيادة إنتاجها وصادراتها بصورة غير محدودة.

سفير الجزائر الجديد في إسبانيا
العلاقات الجزائرية الإسبانية

المصالح تعيد ترتيب العلاقات

بدأت العلاقات الإسبانية الجزائرية تستعيد عافيتها تدريجياً بعد الأزمة الدبلوماسية التي تسبب فيها دعم حكومة بيدرو سانشيز لمقترح المغرب الذي يقدمه لحل قضية الصحراء الغربية والمتمثل في الحكم الذاتي، ورفضها الإشادة بالمقترح الصحراوي سنة 2022.

وقد دفعت حاجة إسبانيا إلى مصدر قريب ومستقر وأقل تكلفة للطاقة البلدين إلى تجاوز جانب من خلافاتهما وإعادة بناء التعاون الاقتصادي.

وتكشف الأرقام الجديدة أن الجزائر ليست مجرد مورد آخر، بل أصبحت مجدداً ركناً أساسياً في أمن الطاقة الإسباني. غير أن هذا التقارب يضع مدريد أمام معادلة معقدة: الحفاظ على شراكتها الأمنية والتجارية مع المغرب، وتعزيز تعاونها الطاقي مع الجزائر، ومنافسة إيطاليا على بوابة الغاز المتجه إلى أوروبا.

المصدر: بيانات إيناغاس التي أوردتها وسائل الإعلام الاقتصادية الإسبانية، وتقرير صحيفة ABC.

زر الذهاب إلى الأعلى