تكنولوجيا أمريكية «مفخخة» داخل إسبانيا.. هل تجمع واشنطن الأسرار لصالح إسرائيل؟

تخيل شركة استلهمت اسمها من الأحجار السحرية في سلسلة الأفلام الشهيرة “سيد الخواتم” (The Lord of the Rings)؛ تلك الأحجار التي تمنح مالكها قوة خيالية لرؤية ما يراه أعداؤه. لم يكن هذا مجرد خيال سينمائي بالنسبة لمؤسسي شركة “بالانتير” (Palantir)، بل كان مخططاً لحقيقة أوجدتها التكنولوجيا الحديثة
بدأت القصة بحلم طموح لرجلين أرادا تأسيس شركة برمجيات قادرة على مواجهة كميات هائلة من البيانات المعقدة وتحليلها في أسرع وقت ممكن. ومن شدة شغف الموظفين بهذه الفكرة، أطلقوا على أنفسهم اسم “البالانتيريون”. لكن خلف هذا الطابع الترفيهي، تكمن واحدة من أكثر الشركات نفوذاً وغموضاً في عالم التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية.

حب وكراهية في أوروبا: تقنية تحمينا ولكنها تراقبنا
تبيع شركة “بالانتير” منتجاتها حصرياً للولايات المتحدة وحلفائها — ومن بينهم إسبانيا — بينما ترفض التعامل مع الخصوم مثل الصين وروسيا. هذا الوضع أوجد في القارة الأوروبية شعوراً متناقضاً يجمع بين الحاجة الشديدة لخدمات الشركة والرغبة القوية في الابتعاد عنها.
السبب في هذا التردد يعود إلى المعادلة الصعبة: برامج هذه الشركة تساعد الدول على الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت نفسه تمنح قدرة هائلة على مراقبة المواطنين والتحكم في بياناتهم.
عقيدة المالكين: القوة العسكرية أولاً
لا يخفي مالكا الشركة، بيتر ثيل (Peter Thiel) وأليكس كارب (Alex Karp)، رؤيتهما المباشرة للعالم، وهو أمر نادر في عالم الأعمال:
- بيتر ثيل: يرى بصراحة أنه لا يوجد توافق بين الحرية الاقتصادية والديمقراطية.
- أليكـس كارب: يدفع بقوة نحو تأكيد التفوق العسكري والتكنولوجي للولايات المتحدة.
لتطوير تقنياتها، أبرمت الشركة في بدايتها صفقة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، والتي ساهمت تمويلياً في تحمل التكاليف الباهظة للبحوث. اليوم، تُستخدم برمجيات الشركة في أصعب الأزمات؛ فنظام “مافين” (Maven) لدمج البيانات تُعمله القوات المسلحة الأمريكية في عملياتها الميدانية، بينما يُستخدم نظام “إيمجريشن أو إس” (ImmigrationOS) من قبل إدارة الهجرة الأمريكية لتتبع ملايين المهاجرين عبر تجميع بياناتهم من المستشفيات، تذاكر الطيران، المدارس، وحتى بلاغات الجيران.
الذكاء الاصطناعي وأخطاء الحروب: من يتحمل المسؤولية؟
تعتمد أدوات “بالانتير” على تحليل كميات ضخمة من المعلومات من قواعد بيانات مختلفة تقدمها السلطات، لتستخرج منها استنتاجات وتوقعات بسرعة فائقة. لكن هذه السرعة المذهلة قد تؤدي أحياناً إلى أخطاء كارثية.
في النزاعات والحروب الحديثة، يقدم البرامج مئات التوصيات يومياً لتحديد أهداف يجب قصفها. وهنا يطرح السؤال الذهبي نفسه: من يفحص هذه البيانات ويدقق فيها؟
عندما تقع أخطاء وتُستهدف مدارس أو مرافق مدنية، لا أحد يريد تحمل المسؤولية. موقف الشركة في هذا الشأن واضح ومباشر: “نحن نؤمن التكنولوجيا فقط، وعلى الدول والحكومات أن تضع الحدود والضوابط”. ورغم أن التحقق من صحة المعلومات يجب أن يكون أولوية قصوى، إلا أن أحداً لا يولي ذلك الاهتمام الكافي.

السابقة التاريخية: عندما باعت أمريكا أجهزة مشفرة مخترقة!
تكمن المشكلة بالنسبة لأوروبا في أن هذه التكنولوجيا مغرية للغاية؛ فهي تنقل الجيوش مباشرة إلى “حروب المستقبل” عبر إرسال الطائرات المسيرة والصواريخ بدقة وسرعة غير مسبوقتين. لكن المخاطرة كبيرة؛ فشركة “بالانتير” تفتخر بوطنيتها الأمريكية وتعمل يداً بيد مع الـ CIA، ولا توجد أي ضمانات تمنع وصول قواعد البيانات الوطنية للبلدان المُستخدمة إلى أيدي الاستخبارات الأمريكية.
ويُذكرنا التاريخ بأن الثقة المطلقة قد تكون خطأ كبيراً:
- فضيحة ك Crypto AG (عام 2020): تبين أن الشركة السويسرية التي باعت أجهزة تشفير الاتصالات لـ 120 دولة (من بينها إسبانيا) عقوداً طويلة، كانت مملوكة سراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والجمارك الألماني. ولعقود طويلة، استمعت واشنطن لأسرار حلفائها وأعدائها على حد سواء.
- شراء العملاء: شهدت السنوات الماضية حوادث تجسس وتجنيد لضباط استخبارات أوروپيين لصالح جهات خارجية.
إذا لم تتردد أجهزة الاستخبارات سابقاً في جمع المعلومات عن حلفائها المقربين، فما الذي يمنعها من تكرار ذلك اليوم باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

المعضلة الإسبانية والبحث عن خيار أوروبي مستقل
في إسبانيا، أنفقت وزارة الدفاع ملايين اليوروهات لشراء نظام “بالانتير غوثام” (Palantir Gotham) المخصص لتحليل البيانات والرقابة المتقدمة بناءً على طلب الاستخبارات العسكرية. ولكن اليوم، مع اقتناع دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بضرورة التخلي عن التبعية التكنولوجية للولايات المتحدة، يتجدد السؤال: ما هو الخيار المتاح؟
ينطلق النقاش من حقيقة واضحة: لم تعد الولايات المتحدة تُعتبر من قبل الكثيرين شريكاً يمكن الائتمان عليه كلياً في مجال البيانات الحساسة، تماماً كما لا يمكن القبول بالبديل الصيني الذي ترتبط شركاته بحكومته بشكل وثيق.
الذيل والحل الوحيد يكمن في “سيادة تكنولوجية أوروبية”؛ حيث بدأت دول مثل فرنسا ضخ استثمارات بمليارات اليوروهات لتطوير ذكاء اصطناعي وأنظمة بيانات خاصة بها. وفي عالم الاستخبارات الذي يصعب فيه الثوق بأحد، يتوجب على الدول حماية بياناتها السيادية وحصر تعاملاتها مع جهات تقدم ضمانات حقيقية لحفظ الأمن والاستقلالية.
إسبانيا بالعربي.
