آخر الأخبارعقارات

رايات حمراء تلفت الأنظار في مظاهرات السكن بإسبانيا.. ماذا تعني ومن يقف وراءها؟

أثارت الأعلام الحمراء التي رفعتها مجموعات من الشباب خلال الاحتجاجات الأخيرة للمطالبة بالسكن في إسبانيا تساؤلات بشأن الجهات التي تقف وراءها وخلفياتها السياسية. وترتبط هذه الرايات، بحسب تقارير صحفية إسبانية، بالتنسيقية الشبابية الاشتراكية (CJS) ومجموعات أخرى تنتمي إلى الحركة الاشتراكية، التي تسعى إلى توسيع حضورها في الشارع وربط أزمة السكن بقضايا أوسع، مثل precariedad العمل والتفاوت الاجتماعي والنظام الاقتصادي.

لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد قضية تتعلق بارتفاع الإيجارات وصعوبة شراء المنازل، بل تحولت إلى محور احتجاجات واسعة شاركت فيها نقابات مستأجرين ومنظمات شبابية وفاعلون اجتماعيون من خلفيات مختلفة. وفي خضم هذه التحركات، برزت الأعلام الحمراء بوصفها أحد الرموز الأكثر وضوحاً في الشوارع، خصوصاً خلال المظاهرات التي شهدتها مدريد ومناطق أخرى من البلاد.

ووفقاً لصحيفة «20 minutos»، فإن التنسيقية الشبابية الاشتراكية (Coordinadora Juvenil Socialista)، المعروفة اختصاراً بـCJS، إلى جانب مجلس إقليم الباسك الاشتراكي (EHKS)، من أبرز الجهات المرتبطة بهذه الرايات. وتنتمي هذه التنظيمات إلى التيار الاشتراكي الذي يستلهم أفكاره من الماركسية، ويطرح تصوراً سياسياً يتجاوز المطالبة بإصلاحات محدودة في سوق السكن.

الشباب الإسباني
شباب

ما التنسيقية الشبابية الاشتراكية التي ترفع الأعلام الحمراء؟

تُعد التنسيقية الشبابية الاشتراكية أحد التنظيمات التي تسعى إلى تعزيز حضورها بين الشباب والعمال في إسبانيا، من خلال المشاركة في الاحتجاجات الاجتماعية والحملات الميدانية والتحركات المرتبطة بقضايا السكن والعمل والتعليم.

وتعود جذور التيار الذي تنتمي إليه هذه التنظيمات إلى إقليم الباسك، حيث ظهرت خلافات داخل بعض الأوساط الشبابية اليسارية منذ عام 2018، وأسهمت في نشوء مجموعات جديدة تبنت توجهاً اشتراكياً مستقلاً عن التقاليد السياسية اليسارية القائمة.

ومن بين التنظيمات التي ظهرت في هذا السياق مجموعة «Gazte Koordinadora Sozialista» (GKS)، إلى جانب تشكيلات أخرى، قبل أن يتوسع نشاط الحركة الاشتراكية ويظهر مجلس إقليم الباسك الاشتراكي (EHKS) في عام 2023.

وفي عام 2024، امتد نشاط التنسيقية الشبابية الاشتراكية إلى مدريد ومناطق أخرى، وفقاً لما أوردته الصحافة الإسبانية، ما منحها حضوراً أكبر في التحركات المرتبطة بقضايا الشباب والظروف الاجتماعية.

ولا ينبغي الخلط بين هذه التنسيقية والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، إذ إنهما تنظيمان مختلفان، ولا يعني استخدامهما تسميات متقاربة وجود علاقة تنظيمية بينهما.

منازل إسبانيا
منازل إسبانيا

لماذا تظهر هذه الرايات في احتجاجات السكن؟

ترتبط مشاركة هذه المجموعات في الاحتجاجات بقناعتها بأن أزمة السكن ليست مشكلة منفصلة عن بقية الظروف الاقتصادية والاجتماعية، بل تعكس، من وجهة نظرها، اختلالات أوسع في توزيع الثروة وعلاقة العمل برأس المال.

وتربط التنسيقية الشبابية الاشتراكية صعوبات حصول الشباب على مساكن مستقلة بارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم استقرار الوظائف، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ما تعتبره تفاوتاً في توزيع الموارد والفرص.

ومن هذا المنطلق، لا تكتفي هذه الحركة بالمطالبة بخفض الإيجارات أو توسيع المعروض من المساكن، بل تطرح تغييرات أوسع في طريقة تنظيم الاقتصاد والملكية، وتدعو إلى مواجهة ما تصفه بالمضاربة العقارية.

وفي مواقفها المنشورة، تعتبر التنسيقية أن الإجراءات الحكومية المتعلقة بالسكن لا تكفي لمعالجة جذور الأزمة، وتدعو إلى تدابير أكثر جذرية، من بينها مصادرة الأصول العقارية المخصصة للمضاربة والتخطيط لتوفير السكن للجميع.

وتظل هذه المواقف جزءاً من البرنامج السياسي للتنظيم، ولا تمثل بالضرورة مطالب جميع المشاركين في الاحتجاجات، الذين قد ينضمون إلى المظاهرات لأسباب مختلفة، مثل ارتفاع الإيجارات أو صعوبة العثور على منزل مناسب أو الاعتراض على عمليات الإخلاء.

تاريخ علم اسبانيا
راية اسبانيا

ماذا تعني الأعلام الحمراء سياسياً؟

تُعد الراية الحمراء من الرموز التاريخية المرتبطة بالحركة العمالية والاشتراكية، واكتسبت حضوراً واسعاً في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، قبل أن ترتبط لاحقاً بالتيارات الشيوعية والاشتراكية في بلدان مختلفة.

وتحمل هذه الراية، في سياق الحركات التي تستخدمها اليوم، دلالات تتعلق بالتضامن بين العمال، والصراع الطبقي، ومناهضة الاستغلال الاقتصادي، فضلاً عن التعبير عن هوية سياسية جماعية.

وفي الاحتجاجات الإسبانية الأخيرة، لا يقتصر استخدام هذه الرمزية على استحضار تاريخ الحركة العمالية، بل يعكس أيضاً رغبة بعض التنظيمات الشبابية في تقديم نفسها باعتبارها بديلاً عن الأحزاب التقليدية والمؤسسات السياسية القائمة.

ومع ذلك، فإن رفع العلم الأحمر وحده لا يكفي لتحديد الانتماء التنظيمي لكل متظاهر، كما أن وجود هذه الرايات في مظاهرة واسعة لا يعني أن جميع المشاركين يتبنون الأفكار السياسية نفسها.

من أزمة السكن إلى مواجهة النظام الاقتصادي

تكمن إحدى السمات البارزة للحركة الاشتراكية الجديدة في أنها تحاول تحويل المطالب الاجتماعية اليومية إلى جزء من مشروع سياسي أوسع.

فبدلاً من التعامل مع أزمة السكن باعتبارها مشكلة يمكن حلها حصراً عبر تعديلات ضريبية أو زيادة بناء المنازل، ترى هذه المجموعات أن الحل يرتبط أيضاً بطبيعة النظام الاقتصادي وطريقة توزيع الملكية والموارد.

وتشمل اهتماماتها، بحسب المعلومات المنشورة عن نشاطها، قضايا هشاشة العمل بين الشباب، ومناهضة العنصرية والفاشية، والدفاع عن التضامن الدولي، إلى جانب ملفات سياسية أخرى.

كما تحاول التنظيمات المرتبطة بهذا التيار توسيع نشاطها خارج الشارع، من خلال مبادرات في المؤسسات التعليمية وتجمعات الشباب العامل، بهدف بناء حضور مستمر داخل الأوساط التي تستهدفها.

وتوضح هذه الاستراتيجية أن المشاركة في الاحتجاجات لا تمثل مجرد موقف مؤقت من ارتفاع الإيجارات، بل جزءاً من مسعى أوسع لبناء حركة اجتماعية ذات مرجعية اشتراكية واضحة.

البرلمان الإسباني

هل تسعى هذه التنظيمات إلى دخول البرلمان؟

على خلاف الأحزاب التقليدية التي تجعل المشاركة في الانتخابات والوصول إلى المؤسسات التشريعية جزءاً أساسياً من عملها، لا تضع التنسيقية الشبابية الاشتراكية، وفقاً للتقارير الصحفية المنشورة، الحصول على تمثيل برلماني في صدارة استراتيجيتها الحالية.

وبدلاً من ذلك، تركز على التنظيم الميداني والمشاركة في التحركات الاجتماعية ومحاولة التأثير في النقاش العام من خلال الاحتجاجات والحملات السياسية.

ولا يعني ذلك أن هذا التوجه سيظل ثابتاً مستقبلاً، لكنه يعكس طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها هذه الحركة في المرحلة الحالية، بحسب المعلومات المتاحة.

أزمة السكن توسع مساحة الاحتجاج السياسي

جاء ظهور الأعلام الحمراء في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات على صعوبة الوصول إلى السكن في إسبانيا، وسط مطالب بخفض الإيجارات، وحماية المستأجرين، والحد من عمليات الإخلاء، واتخاذ إجراءات لمواجهة المضاربة العقارية.

وقد ساهمت التحركات الأخيرة في تسليط الضوء على الانقسامات السياسية بشأن كيفية معالجة الأزمة، وعلى اختلاف التصورات بين من يدعو إلى إصلاحات داخل النظام الاقتصادي القائم، ومن يرى أن المشكلة تتطلب تغييراً أوسع في بنية الاقتصاد والملكية.

وبالنسبة إلى الشباب، تتداخل أزمة السكن مع صعوبات أخرى، من بينها عدم استقرار العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتأخر الاستقلال عن الأسرة، وهو ما يجعل القضية أرضية مشتركة لتيارات وتنظيمات متعددة، حتى عندما تختلف أهدافها السياسية النهائية.

وفي المحصلة، لا تمثل الأعلام الحمراء التي ظهرت في احتجاجات السكن الإسبانية مجرد عنصر بصري في المظاهرات، بل تعكس حضور تيار اشتراكي شبابي يسعى إلى استثمار الأزمة لتعزيز نفوذه الاجتماعي ونشر رؤيته السياسية. غير أن فهم هذه التحركات يتطلب التمييز بين التنظيمات التي ترفع هذه الرايات وبين بقية المشاركين الذين تجمعهم المطالبة بسكن مناسب، من دون أن يعني ذلك اتفاقهم على مشروع سياسي واحد.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى