العنصرية في مواجهة القانون: تغريم معتدين على سائق حافلة مغربي في إسبانيا
في موقف للحافلات ببلدة “أزكويتيا” التي يقطن بها، يقف السائق المغربي أحمد زيداني لالتقاط صورة لصالح الصحيفة، صورة تحمل خلفها حكاية اعتداء لم تكن مجرد حادث سير عابر، بل تحولت إلى قضية رأي عام تسلط الضوء على تزايد ظاهرة العنصرية والاعتداءات ضد سائقي النقل العام.
بدأت القصة بأكملها بمناورة عادية بالحافلة؛ من تلك المناورات التي يضطر أي سائق لمركبة ضخمة إلى القيام بها عشرات المرات يومياً. وقع الحادث في أحد شوارع بلدة “لازكاو” الضيقة، حيث كانت السيارات متوقفة على جانبي الطريق. في تلك اللحظة، اضطر أحمد زيداني أثناء قيادته للحافلة إلى التجاوز القليل للخط المتصل، وهو أمر لا مفر منه تقريباً عندما لا تترك المساحة المتبقية مجالاً كافياً للمرور.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة و25 دقيقة عصراً من يوم 28 ديسمبر 2024، عندما ظهرت فجأة سيارتان قادمتان في الاتجاه المقابل بسرعة عالية، في طريق لا تتجاوز السرعة المحددة فيه 30 كيلومتراً في الساعة. حتى تلك اللحظة، لم يكن الأمر يخرج عن إطار المواقف اليومية المعتادة على الطرقات.

من تلافي حادث سير إلى شتائم واعتداء جسدي
كان بإمكان المشهد أن ينتهي ببعض العتاب أو اللوم المتبادل بين السائقين، لكنه سرعان ما تحول في غضون دقائق معدودة إلى اعتداء جسدي ولفظي خطير انتهى به المطاف بعد عامين في أروقة المحاكم.
ويسترجع أحمد تفاصيل تلك اللحظات قائلاً: «إحدى السيارات القادمة من الاتجاه المقابل مرت بسرعة جنونية، وبدأ سائقها يلوح بيده بغضب من بعيد، لأنني بمروري تجاوزت الخط المتصل قليلاً. إنه أمر لا بد منه عندما تقوم بمناورة في أماكن ضيقة». واصل أحمد ذاكرته موضحاً أن الأمر بدأ بالإشارات الغاضبة، ثم تطور إلى صراخ شديد: «ألا ترى أنك كدت تقتلنا؟ ألا ترى أنك تسير في منتصف الطريق؟».
عندما يتحول الخلاف المروري إلى عنصرية مفرطة
على الرغم من حدة النقاش، يوضح السائق المغربي أن الحوار أخذ منحى آخر تماماً عندما لاحظ الجناة هويته وشكله؛ إذ انقلب الخلاف من مجرد مشادة مرورية إلى تنمر وعنصرية مقيتة.
يقول أحمد بمرارة: «تغير كل شيء في اللحظة التي تحققوا فيها من أنني أجنبي. من تلك اللحظة، بدأوا يوجهون لي إهانات شنيعة وشتائم عنصرية متواصلة. لماذا كل هذا؟ لست ملزماً بتحمل الإهانات العنصرية من أي شخص كان».
وُلد أحمد زيداني في مدينة طنجة المغربية، ويعيش في إقليم “إوسكادي” (الباسك) منذ ما يقرب من 27 عاماً. وعمل في مجال نقل المسافرين لمدة عقدين من الزمن دون أن يتلقى أو يواجه موقفاً مماثلاً طوال تلك السنوات.
ويضيف السائق المخضرم، الذي كان يعمل لصالح شركة “لورالديديبوس” (Lurraldebus) وقت وقوع الحادثة: «أعمل في هذا القطاع منذ ما يقرب من عشرين عاماً ولم يحدث لي أي شيء من هذا القبيل من قبل. في الماضي، كانت هناك حالات معزولة، لكن في العامين الماضيين أصبح الاعتداء اللفظي والجسدي شبه يومي بالنسبة لنا».
ظاهرة ناتجة عن التحريض الإعلامي والسياسي
تؤكد الفيدرالية العامة لجمعيات “SOS Racismo” (نجدة المناهضة للعنصرية) أن هناك توجهاً وتصاعداً “مُقلقاً” في هذا الصدد. وأوضحت المنظمة أن الكراهية والعنصرية «تُطبخ وتتغذى في شبكات التواصل الاجتماعي، وتُشرعن في بعض المنصات السياسية ووسائل الإعلام الموجهة، ثم تتفجر في النهاية عند شباك بنك، أو أثناء مقابلة عمل، أو في وسط الشارع في وضح النهار».
وكان الشارع هو المسرح الذي جرت فيه الأحداث المؤلمة التي عاشها زيداني. وقد أُدرجت شهادته في التقرير السنوي للفيدرالية، وهو وثيقة مطولة تتكون من 91 صفحة وتوثق 528 بلاغاً عن حالات تمييز وعنصرية سُجلت خلال العام الماضي، مشيرة إلى أن هذه الأرقام ليست سوى «قمة جبل الجليد لواقع أكبر وأكثر قسوة».

هجوم وحشي وتفاصيل الاعتداء الجسدي
تواصلت الصحيفة مع أحمد لتسليط الضوء على تفاصيل الحادثة. يروي أحمد ما حدث قائلاً: «رجعت إحدى السيارات القادمة من الاتجاه المقابل إلى الخلف حتى توقفت بجانب الحافلة، وبدأ ركاب السيارتين بضرب هيكل الحافلة بقوة».
وتابع: «على الرغم من أننا كنا نغلق حارتي المرور وتوقفت الحركة، لم يقترب أحد للاستفسار أو الاطمئنان. لم أكن أعرف ما يتوجب عليّ فعله، وأمام ضرباتهم المتتالية قررت النزول لالتقاط صور للوحات أرقام سياراتهم. كان هذا أول شيء يخطر ببالي لحفظ حقي. وعندما نزلت، سمعت أحدهم يصيح: (خذوا منه الهاتف! خذوا منه الهاتف!)».
قام أحمد بسرعة بوضع هاتفه في جيب معطفه لحمايته، وفي تلك اللحظة بالذات بدأ الاعتداء الجسدي عليه. ويشرح ذلك بقوله: «بينما كان أحدهم يمسك بي ليدفعني ونشدي نحو الأرض، كان الآخر يضربني بكل قوته من الخلف».
في تلك اللحظة، تدخلت امرأة كانت تسافر معهم في إحدى السيارات – وتبين أنها من أقارب المعتدين – لمحاولة تهدئة الموقف وإنهاء الاعتداء.
ويستذكر أحمد: «كانت المرأة تصرخ في وجهيهما: (ماذا تفعلان؟ هل جننتم؟). بل إنهم بدأوا بدفعها هي الأخرى، وحينها استغللت الفرصة وصعدت مسرعاً إلى الحافلة لاتصال برقم الطوارئ 112». وعلى الفور، حضرت عناصر الشرطة (Ertzaintza) إلى الموقع، ونُقل أحمد إلى المركز الصحي لتلقي العلاج من الجروح والإصابات التي تعرض لها قبل تقديم البلاغ الرسمي.

القضاء ينصف السائق ويعاقب المعتدين
اعتبرت المحكمة الابتدائية رقم 1 في مدينة “تولوسا” أن الوقائع مثبتة، وأكدت أنه بعد تلك المشادة المرورية، تورط المتهمان في شجار وألحقا أضراراً وجروحاً بجسد السائق.
وجاء في الحكم الصادر في 14 أبريل 2026 إدانة المتهمين بجريمة بسيطة تتعلق بـ “الإيذاء الجسدي”، وفرضت عليهما غرامة مالية لمدة شهرين، بالإضافة إلى دفع تعويض قدره 259.42 يورو للمتضرر وتحمل المصاريف القضائية. وأعطت القاضية مصداقية كاملة لرواية أحمد، مشيرة إلى أن أقواله كانت وثيقة، متناسقة، ومتطابقة مع التقرير الطبي الذي أظهر وجود كدمة في الجبهة، خدوش، آلام في الرقبة والظهر، وإصابة سطحية في الركبة.
الإحباط من موقف الشركة وضرورة عدم الصمت
رغم إدانة القضاء للمعتدين، يؤكد أحمد أن جرح الحادثة يتجاوز مجرد الضربات الجسدية؛ حيث يقول: «أكثر ما علق في ذهني وكان يؤلمني هو سماع عبارة (عربي قذر) تتكرر مراراً وتكراراً. كنت أظن أن هذه التصرفات أصبحت من الماضي، لكن يبدو أن هناك الكثير مما يجب عمله لمواجهتها».
ولم تتوقف معاناته عند الحادث نفسه، بل امتدت لتشمل رد فعل الشركة التي كان يعمل لديها، والتي وصفها بـ “المؤلمة للغاية”. أوضح أحمد: «اتصل بي المدير العام، لكن ليس ليسأل عن حالتي الصحية أو الاطمئنان عليّ، بل ليعرف ما إذا كنت سأتمكن من العمل في اليوم التالي!».
طلب أحمد من الشركة الدخول كطرف في القضية أو تقديم شكوى خاصة بها كون الاعتداء وقع أثناء تقديم خدمة عامة، لكن الإدارة اكتفت بالرد: «سنرى لاحقاً»، ومع مرور الأيام لم تحرك ساكناً، وهو ما ضاعف من الأثر النفسي والحيادي للحادث عليه.
ورغم كل شيء، لم يتردد أحمد في كشف الحقائق والمطالبة بحقه، مؤكداً أن الحكم القضائي يمثل جرعة دعم معنوي له ولغيره. واختتم حديثه قائلاً: «مثل هذه الأفعال يجب الإبلاغ عنها ومواجهتها بكل شجاعة. حالات العنصرية الواضحة لا يمكن التغطية عليها، بل يجب إخراجها إلى النور ليتسنى لنا معالجتها والقضاء عليها».
إسبانيا بالعربي.

